هل البكاء على الميت يَبُلُّ الفؤاد، ويخفف المصاب؟
فقد بكى سيدُ الخلق - صلواتُ الله وسلامه عليه - على أمواتٍ كُثر، ومن أبرزهم:
ابنه إبراهيم - عليه السلام -، فجعلت عيناه تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: وأنت يا رسول الله؟! فقال: «يا ابن عوفٍ إنها رحمةٌ».
ثم أتْبَعَها بأخرى، فقال ﷺ: «إن العينَ تدمعُ، والقلبَ يَحْزَنُ، ولا نقولُ إلا ما يَرْضَى رَبُّنا، وإنا بفراقك يا إبراهيمُ لمحزونونَ». (متفق عليه).
❄فبين النبيُّ ﷺ أن البكاء رحمة من الله تعالى، جعلها في قلوب عباده، ومن فوائده أنه ينفس عن الإنسان ما أصابه من حزن، إذ لو احتبس هذا الحزن ولم يجد منفذًا لخروجه ربما تضرر العبد.
📚قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى - في "البداية والنهاية" (٣/ ٣٢٨) وهو يتكلم عن غزوة بدر، حيث منع المشركون النياحة على قتلاهم، كي لا يشمت بهم المسلمون؛ فقال - رحمه الله تعالى -: "وكان هذا من تمام ما عذَّبَ اللهُ به أحياءَهم في ذلك الوقت، وهو تركهم النوحَ على قتلاهم، فإن البكاء على الميت مما يَبُلُّ فؤادَ الحزين". انتهى.
والبكاء ليس منافيًا للرضى عن الله في قضائه.
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - في "زاد المعاد في هدي خير العباد" (١/ ٤٩٩): "وسنَّ لأمته الحمدَ والاسترجاعَ، والرضى عن الله، ولم يكن ذلك منافيًا لدمع العين وحزن القلب، ولذلك كان أرضى الخلق عن الله في قضائه، وأعظمهم له حمدًا، وبكى مع ذلك يوم موت ابنه إبراهيم رأفة منه، ورحمة للولد، ورقة عليه، والقلبُ ممتلئ بالرضى عن الله - عز وجل - وشكره، واللسانُ مشتغل بذكره وحمده.
ولما ضاق هذا المشهدُ والجمعُ بين الأمرين على بعض العارفين يوم مات ولدُه، جعل يضحكُ! فقيل له: أتضحك في هذه الحالة؟!
قال: إن الله تعالى قضى بقضاءٍ، فأحببتُ أن أرضى بقضائه!
فأشكلَ هذا على جماعة من أهل العلم، فقالوا: كيف يبكي رسولُ الله ﷺ يومَ مات ابنُه إبراهيم وهو أرضى الخلق عن الله، ويبلغُ الرضى بهذا العارف إلى أن يضحك؟!
فسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هديُ نبينا ﷺ كان أكملَ من هدي هذا العارف.
فإنه أعطى العبودية حقها، فاتسع قلبُه للرضى عن الله، ولرحمة الولد والرقة عليه.
فحمد الله ورضي عنه في قضائه، وبكى رحمةً ورأفةً، فحملته الرأفةُ على البكاء، وعبوديتُه لله ومحبتُه له على الرضى والحمد.
وهذا العارفُ ضاق قلبُه عن اجتماع الأمرين، ولم يتسع باطنُه لشهودهما والقيام بهما، فشغلته عبودية الرضى عن عبودية الرحمة والرأفة" انتهى.
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام