ما رأيكم في هذا الأثر الذي يستدل به البعض على الطعن في الدولة الإسلاميه: عن علي بن ابي طالب رضي الله عنه قال : (إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّايَاتِ السُّودَ فَالْزَمُوا الأَرْضَ فَلا تُحَرِّكُوا أَيْدِيَكُمْ ، وَلا أَرْجُلَكُمْ ، ثُمَّ يَظْهَرُ قَوْمٌ ضُعَفَاءُ لا يُؤْبَهُ لَهُمْ ، قُلُوبُهُمْ كَزُبَرِ الْحَدِيدِ ، هُمْ أَصْحَابُ الدَّوْلَةِ ، لا يَفُونَ بِعَهْدٍ وَلا مِيثَاقٍ ، يَدْعُونَ إِلَى الْحَقِّ وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهِ ، أَسْمَاؤُهُمُ الْكُنَى ، وَنِسْبَتُهُمُ الْقُرَى ، وَشُعُورُهُمْ مُرْخَاةٌ كَشُعُورِ النِّسَاءِ ، حَتَّى يَخْتَلِفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ ، ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْحَقَّ مَنْ يَشَاءُ )؟
هذا الخبر المكذوب مما ثارت به المنافقين، ونعق بذكره غربان علماء السلاطين، ووالله ما رأيت احمقاً منتسب للعلم زعم أنه يريد أن يرمي صرح الخلا. فة بمثل هذه التراهات، فما هو إلا كثور رام، نطح جبل بقرنيه المكسور.
يا ناطح الجبل الأشم بقرنه ** أشفق على القرن لا تشفق على الجبل
- ولنا مع هذا الخبر وقفتان، وقفه مع إسناده ،ووقفه مع متنه :
- فأما الإسناد: فهذا الخبر رواه نعيم بن حماد في كتابه "الفتن"، و "النعيم بن حماد" كان من علماء زمانه، وفقهاءهم، واعلمهم بالفرائض، وكان على اعتقاد سليم، وصاحب سنه، حتى إنه ثبت في فتنة خلق القرآن، ومات في سجنه رحمه الله تعالى.
- لكنه كان مختلطا، بل شديد الاختلاط في رواية الحديث، حتى قال عنه الإمام الناقد "يحيى بن معين" ليس في الحديث بشيء ولكنه صاحب سنه.
- "فالنعيم بن حماد" في نفسه صدوق صالح، لكنه في رواية الحديث يخلط كثيرا، وقد لقيه يحيى بن معين وجماعة المحدثين وانكروا عليه كثير مما يخلط في حديثه .
- ومن راجع سيرته في أمهات كتب الجرح والتعديل، كــ "الكامل في الضعفاء" لابن عدي وغيره، وقف على ما ذكرنا وأكثر .
- وأما كتابه أعني كتاب "الفتن" فقد حشاه بالأحاديث البواطل، والموضوعات وشديدة الضعف كذلك.
- حتى قال الحافظ الذهبي -رحمه الله تعالى- في ترجمة النعيم في "سير أعلام النبلاء "عن هذا الكتاب وصاحبه قال: (لا يجوز لأحد أن يحتج به) يعني بالنعيم وروايته.. قال: (وقد صنف كتاب الفتن فأتى فيه بعجائب ومناكير).
- ومن شم رائحة العلم، ونظر في هذا الكتاب، علم يقينا صدق ما قال الحافظ الذهبى رحمه الله تعالى.
- أما إسناد الحديث أو الخبر، فقد تفرد النعيم بن حماد بإسناده، ولم يأتينا هذا الخبر في شيء من الكتب التي وصلتنا إلا بهذا الإسناد.
- قال النعيم: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ، وَرِشْدِينُ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ ، عَنْ أَبِي رُومَانَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ....ثم ذكر الخبر .
- والوليد المذكور هنا هو "الوليد بن مسلم" وهو ثقة لكنه شديد التدليس، بل يدلس كما ذكر العلماء في ترجمته تدليس "التسوية" الذي هو شر التدليس.
- فلا تقبل روايته إلا إن صرح بالتحديث في كل طبقات الإسناد، لأن تدليس "التسويه" هو : أن يأتي المدلس إلى أحاديث سمعها الراوي من شيوخ ضعفاء، أو متروكين، فيسقط ذكرهم، ويقول: "عن فلان" ممن هو فوقهم، ليدلس على السامع، ثم يفعل هذا في كل طبقات الإسناد.
- ولذلك قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى عن الوليد بن مسلم: (يتقى من حديثه ما قال فيه "عن") وهو من جنس هذا الحديث الذي بين أيدينا، يعني ما لم يقل فيه الوليد حدثني فلان بتصريح.
- وصاحبه الذي رواه معه هو "رشدين بن سعد" أضعف منه حالا ،فقد اتفق النقاد على أن "رشدين" ضعيف الحديث سيء الحفظ، وإن كان من الصالحين من أهل العبادة، لكن مدار قبول رواية الراوي، على ضبطه، وحفظه، لا على عبادته.
- وهذان الراويان، الوليد ورشدين، يرويان عن "بن لهيعة" وهو: "عبد الله بن لهيعة المصري" وهو ضعيف الروايه، لكنه ليس بشديد الضعف، كحال صاحبه، وبن لهيعة يرويه عن أبي قبيل، وهو حيي بن هانىء المعافري، وثقه أحمد وبن معين وقال أبو حاتم "صالح حديث"
- وحيي هذا "أبو قبيل" كان يأتي أحيانا في أحاديث بالغرائب، لكنه في الجملة ثقة الحديث.
- لكن المصيبة في هذا الإسناد من شيخ أبي قبيل وهو "أبو رومان" ولا يعرف في الرواه من هو "أبو رومان" هذا فلا يعرف اسمه، ولا رسمه ولا حاله، فهو مجهول بإطلاق، ولا يعقل أن يحمل رجل العلم عن علي بن ابي طالب، ويكون في طبقة التابعين، ويكون من أهله الثقات ثم لا يعرف البته .
- فخلاصة إسناد هذا الحديث، أنه مسلسل بشديد الضعف، والضعفاء، والمجاهيل، وحقه أن يوصف بأنه "موضوع" وإلا فبالضعف الشديد، ولا قيمة لروايته البتة.
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام