كيف نرد على قولهم أن الحاكم بغير ما أنزل الله لا يكفر إلا بالاستحلال له أو جحد حكم الله؟
أن الاستحلال كفر بذاته ولو لم يعمل فإن المستحلّ للحرام المجمع عليه
الذي دون الكفر يكفر فمن باب أولى فيما حكم الشرع على فاعله بالكفر
- أن يستحل الحكم بغير ما أنزل الله ولا يفعله فهذا كفر.
© أن يستحل الحكم بغير ما أنزل الله ويحكم بما أنزل الله فهذا كفر» فحكمه
بما أنزل الله لا ينفعه مع جحده له.
© أن يستحل الحكم بغير ما أنزل الله ويحكم بغير ما أنزل الله فهذا كفر أشد
لأنه فعل ناقضين مستقلين.
فعلم بهذا أن تعليق الحكم بالاستحلال خارج عن المسألة لأنه كفر سواء فعل أم لا ومسألتنا فيمن حكم بغير ما أنزل الله ولا يصح تعليق الأحكام على مناطات خارجة عنها توجد بها أو بدونها لأن الحكم يدور مع علته» فإن وجدت العلة دون الحكم أو الفعل علم أنها ليست علة له» كما تبين في الصور السابقة» حيث وجد الاستحلال دون وجود الفعل» فلو كان الاستحلال علة له للزم أن يوجد الحكم بغير ما أنزل الله كلما وجد وهذا غير حاصل وبه نعلم
بطلان القول أن مناط الكفر هو الاستحلال.
٢.. أن الآيات في باب الحكم بما أنزل الله أناطت الحكم على #أفعال_الجوارح
لا أعمال القلوب» فَجعْل مناط الكفر فيها هو الاستحلال تحَكم في معناها
بغير دليل» وصرف لها عن ظاهرها.
ففي قوله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الَكَافرون
. الحكم
في جملة جواب الشرط (هم الْكافِرُونَ) واقع على من فعل المنفي في جملة فعل
الشرط (وَمَنْ لم يَحْكُمْ بما أنزل اللَه) أي ومن حكم بغير ما أنزل الله» فالحكم
بالكفر متوجه له وهذا حكم على فعل #ظاهر لا اعتقاد باطن» فتقييدها
بالاستحلال أو الجحود تخصيص للعام بلا دليل وتحكُم في معنى الآية وصرف
لها عن الظاهر.
فإنها عامة تشمل ثلاثة لا يخص منهم أحد دون الآخر:
© المستحل للحكم بغير ما أنزل الله بقياس الأولى.
© والجاحد لحكم الله بقياس الأولى.
© والحاكم بغير ما أنزل الله بنص الآية.
قال ابن القيم رحمه الله": "ومنهم من تأوّل الآية على ترك الحكم بما أنزل الله
جاحدا له وهو قول عكرمة» وهو تأويل مرجوح» فإن نفس جحوده كفر
سواء حكم أو لم يحكم". اه
وما يوكد أن الآية نصت على الفعل الظاهر أن سبب نزولها هو ما حصل
من اليهود» وهو الترك والإعراض والتولي عن حكم الله ثم تبديله بحكم من
عندهم» وهذا من #أعمال_الجوارح لا من أعمال القلوب.
وفي قوله تعالى: « { وَكَیۡفَ یُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوۡرَىٰةُ فِیهَا حُكۡمُ ٱللَّهِ ثُمَّ یَتَوَلَّوۡنَ مِنۢ بَعۡدِ ذَ ٰلِكَۚ وَمَاۤ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ }
[سُورَةُ المَائـِدَةِ: ٤٣]
ففيها نفي الإيمان عن اليهود بسبب توليهم عن حكم الله تعالى وتبديلهم له
و #التولي هنا عمل #ظاهر.
قال ابن جرير الطبري رحمه الله": "يعني تعالى ذكره» وكيف يحكمك هؤلاء
اليهود» يا محمد بينهم» فيرضون بك حكمًا بينهم» "وعندهم التوراة" التي
أنزلتها على موسى التي يقرُون بما أنها حق» وأنها كتابي الذي أنزلته إلى نبيّي»
وأن ما فيه من حكم فمن حكمي يعلمون ذلك لا يتناكرونه» ولا يتدافعونه»
ويعلمون أن حكمي فيها على الزاني المحصن الرجم.
وهم مع عملهم بذلك "يتولُون". يقول: يتركون الحكم به بعد العلم بحكمي
فيه» جراءة علي وعصيانًا لي» ثم قال تعالى ذكره مخبرا عن حال هؤلاء اليهود
الذين وصف صفتهم في هذه الآية عنده» وحال نظرائهم من الجائرين عن
حكمه. الزائلين عن محجّة الحق "وما أولئك بالمؤمنين"» يقول:
ليس من فعل هذا الفعل أي: من تولى عن حكم الله الذي حكم به في كتابه
الذي أنزله على نبيه» في خلقه بالذي صدّق الله ورسوله فأقرٌ بتوحيده ونبّوة
نبيه لأن ذلك ليس من فعل أهل الإيمان. اه مختصرا
وفي قوله تعالى:
{ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِینَ یَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُوا۟ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ یُرِیدُونَ أَن یَتَحَاكَمُوۤا۟ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوۤا۟ أَن یَكۡفُرُوا۟ بِهِۦۖ وَیُرِیدُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ أَن یُضِلَّهُمۡ ضَلَـٰلَۢا بَعِیدࣰا }
[سُورَةُ النِّسَاءِ: ٦٠]
فقد جعل سبحانه وتعالى إيمان من أراد التحاكم للطاغوت مجرد زعم لا حقيقة له
لأنه خالف مقتضى الإيمان بالله المُوجب للتحاكم له فلما أراد التحاكم لغيره
لم يكن مؤمنا بالله بل مؤمنا بالطاغوت» وهذا فيمن أراد التحاكم للطاغوت
وعزم على ذلك فأولى من تحاكم للطاغوت فعلا أن ينفى عنه الإيمان» فهذا
فيه أيضا إناطة للحكم بعمل الجوارح لا أعمال القلوب» ولذا قال ابن كثير
رحمه الله»: إنها ذامّة لمن عدل عن الكتاب والسنة» وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل» وهو المراد بالطاغوت هاهنا. اه
*. أن اشتراط اعتقاد القلب من استحلال أو جحود فيما حكم عليه الشرع
أنه من أعمال الجوارح المكفرة هو مذهب #المرجئة القائلين بأن أعمال الجوارح
ليست ركنا في الإيمان» فمذهبهم أن ترك جميع أعمال الجوارح أو ارتكاب عمل
ظاهر من نواقض الإيمان لا يكون كفرا إلا إذا صاحبه اعتقاد القلب» فكونه
كُفْراً لأجل الاعتقاد لا لأن العمل الظاهر كذلك فلا تأثير عندهم للعمل
الظاهر على أصل الإيمان بمجرده؛ ولهذا جعلوا الحكم بغير ما أنزل الله معصية
غير مكفرة حتى يستحلّها أو يجحد حكم الله» وهذا فيه تسوية بين المعاصي
التي لا تخرج من الملة وبين المعاصي التي حكم الشرع عليها أتما تخرج من الملة لكونها تناقض أصل الإيمان» ولهذا يجعلون الكفر العملي قسما واحد فقط
كله كفر أصغر.
أما #أهل السنة والجماعة فيعتقدون أن العمل ركن في الإيمان» وأن نواقض الإيمان منها اعتقادي ومنها عملي ومنها قولي.
وأن الكفر العملي قسمان:
© قسم يناقض الإيمان ويخرج صاحبه من الملة بمجرد فعله ولا يشترط فيه اعتقاد القلب كالشرك العملي.
©» وقسم لا يناقض الإيمان وهو بمنزلة سائر المعاصي التي لا يكفر إلا من
استحلها كالكبائر التي وصفت في الشرع بالكفر وقُصد بها الكفر الأصغر.
ومن الأدلة على ما عدّه الشرع كفرا من الأعمال الظاهرة دون اشتراط الاعتقاد
قوله تعالى: «( { وَلَىِٕن سَأَلۡتَهُمۡ لَیَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَایَـٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ }
[سُورَةُ التَّوۡبَةِ: ٦٥]
فالاستهزاء بالله ورسوله #عمل_ظاهر حكم الله به عليهم بمجرد فعلهم له
ولما اعتذروا أنهم لم يقصدوه والقصد #عمل_قلب رد الله سبحانه عليهم اعتذارهم
بأنه غير نافع لكونكم كفرتم بعملكم الظاهر» وهذا نص صريح على عدم
اعتبار عمل القلب في الحكم على الظاهر وإِن كان العمل الظاهر لا يصدر
إلا منه في الأصل لأنه لازمٌ له» ولا يعني هذا أن مناط الحكم على الظاهر لا
يعلّق بمعرفة الباطن» ففي هذه الآية يقال المستهزئ بالله ورسوله َحكم عليه
بما صدر منه وإِن لم يعتقد» مع أن هذا القول لا يمكن أن يصدر ممن معه إيمان
في قلبه» وهذه مسألة تلازم الظاهر والباطن عند أهل السنة والجماعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله": "فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع
قولهم إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له» بل كنا نخوض ونلعب» وبين أن
الاستهزاء بآيات الله كفر» ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام؛ ولو
كان الإيمان في قلبه منعه أن يتكلم بهذا الكلام". اه
وقال أيضا»: "فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفراً بل ظنوا أن
ذلك ليس بكفر فبين أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه
بعد إيمانه» فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف ففعلوا هذا المحرم الذي
عرفوا أنه محرم» ولكن لم يظنوه كفرا وكان كفراً كفروا به فإنهم لم يعتقدوا جوازه". اه
ومن الأدلة كذلك الإجماع على ان سب الله تعالى او انتقاص دينه او سب النبي يعد كفرا ولو لم يعتقد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله»: "إِنَّ سب الله أو سب رسوله كفرٌ
ظاهرا وباطنا وسواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلا له أو
كان ذاهلا عن اعتقاده» هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن
الإيمان قول وعمل". اه
وقد ردّ على القاضي أبي يعلى رحمه الله لما جعل السب كفراً لأجل الاستحلال
لا لكونه كفر في نفسه» فقال رحمه الله©:
وهذا موضع لا بد من تحريره ويجب أن يُعلم أن القول بأن كفر الساب في
نفس الأمر إنما هو لاستحلاله السب زلة منكرة وهفوة عظيمة» ويرحم الله
القاضي أبا يعلى قد ذكر في غير موضع ما يناقض ما قاله هنا وإنما وقع من
وقع في هذه المِهُوَاة ما تلقّوه من كلام طائفة من متأخري المتكلمين؛ وهم
الجهمية الإناث الذين ذهبوا مذهب الجهمية الأولى في أن الإيمان هو مجرد
التصديق الذي في القلب وإن لم يقترن به قول اللسان ولم يقتض عملا في
القلب ولا في الجوارح.
ثم قال: وليس الغرض هنا استيفاء الكلام في هذا الأصل وإِنما الغرض البينة
على ما يختص هذه المسألة وذلك من وجوه:
أحدها: أن الحكاية المذكورة عن الفقهاء أنه إن كان مستحلا كفر وإلا فلا
ليس لها أصل وإِنما نقلها القاضي من كتاب بعض المتكلمين الذين نقلوها عن
الفقهاء وهؤلاء نقلوا قول الفقهاء بما ظنوه جاريا في أصولهم أو بما قد سمعوه
من بعض المنتسبين إلى الفقه ممن لا يعد قوله قولا وقد حكينا نصوص أئمة
الفقهاء وحكاية إجماعهم من هو أعلم الناس بمذاهبهم» فلا يظن ظان أن في
المسألة خلافا يجعل المسألة من مسائل الخلاف والاجتهاد» وإِنما ذلك غلط لا
يستطيع أحد أن يحكي عن واحد من الفقهاء أئمة الفتوى هذا التفصيل البتة.
الوجه الثاني: أن الكفر إذا كان هو الاستحلال فإنما معناه اعتقاد أن السب
حلال فإنه لما اعتقد أن ما حرمه الله تعالى حلال كفر ولا ريب أن من اعتقد
في المحرمات المعلوم تحريمها أنها حلال كفرٌ» لكن لا فرق في ذلك بين سب
النبي وبين قذف المؤمنين والكذب عليهم والغيبة لهم إلى غير ذلك من
الأقوال التي عُلم أن الله حرمها فإنه من فعل شيئا من ذلك مستحلا كفر»
مع أنه لا يجوز أن يقال من قذف مسلما أو اغتابه كفر ويعنى بذلك إذا استحله.
الوجه الثالث: أن اعتقاد حل السب كفرٌ سواء اقترن به وجود السب أو لم
يقترن» فإذا لا أثر للسب في التكفير وجودا وعدما وإنما المؤثر هو الاعتقاد وهو خلاف ما أجمع عليه العلماء.
الوجه الرابع: أنه إذا كان المكفر هو اعتقاد الحلّ فليس في السب ما يدل على
أن الساب مستحل فيجب أن لا يكفر» لا سيما إذا قال: "أنا اعتقد أن هذا
حرام وإنما أقول غيظا وسفها أو عبثا أو لعبا" كما قال المنافقون: "إِنما كنا
نحُوضٌ ونلعب" كما إذا قال: :إنما قذفت هذا أو كذبت عليه لعبا وعبثا"»
فإن قيل لا يكونون كفارا فهو خلاف نص القرآن» وإن قيل يكونون كفارا
فهو تكفير بغير موجب إذا لم يجعل نفس السب مكفرا وقول القائل أنا لا
أصدقه في هذا لا يستقيم فإن التكفير لا يكون بأمر محتمل فإذا كان قد قال:
"أنا أعتقد أن ذلك ذنب ومعصية وأنا أفعله" فكيف يكفر إن لم يكن ذلك
كفرا؟ ولهذا قال سبحانه وتعالى: "لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ولم يقل
قد كذبتم في قولكم إنما كنا نخوض ونلعب فلم يكذبهم في هذا العذر كما
كذبهم في سائر ما أظهروه من العذر الذي يوجب براءتهم من الكفر كما لو
كانوا صادقين بل بين أنهم كفروا بعد إيمانهم بهذا الخوض واللعب.
إلى أن قال: ومنشأ هذه الشبهة التي أوجبت هذا الوهم من المتكلمين ومن
حذا حذوهم من الفقهاء أنهم رأوا أن الإيمان هو تصديق الرسول فيما
أخبر به» ورأوا أن اعتقاد صدقه لا ينافي السب والشتم بالذات» كما أن اعتقاد
إيجاب طاعته لا ينافي معصيته» فإن الإنسان قد يُهين من يعتقد وجوب إكرامه
كما يترك ما يعتقد وجوب فعله ويفعل ما يعتقد وجوب تركه؛ ثم رأوا أن الأمة
قد كفرت الساب فقالوا: إنما كفر لأن سبّه دليل على أنه لم يعتقد أنه حرام؛
واعتقاد حله تكذيب للرسول فكفر بهذا التكذيب لا بتلك الإهانة وإنما الإهانة
دليل على التكذيب؛ فإذا فرض أنه في نفس الأمر ليس بمكذب كان في نفس
الأمر مؤمنا وإن كان حكم الظاهر إنما يجري عليه بما أظهره فهذا مأخذ المرجئة
ومعتضديهم وهم الذين يقولون: "الإيمان هو الاعتقاد والقول". اه
وما قاله رحمه الله في السب يقال في الحكم بغير ما أنزل الله لأن كليهما عمل
ظاهر حكم الله سبحانه على فاعله بالكفر
وأخيرا
.قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
(فمن اشترط الجحد أو الإستحلال للتكفير بهذه الذنوب المكفرة فقد استدرك على الله وكذَّب بآيات الله، لأن الله سمى فاعلها كافراً بمجرد تركه أو فعله ولم يقيده بجحد أو استحلال، ومن كذب بآيات الله فقد كفر، ولهذا أكفر السلف غلاة المرجئة الذين يعتبرون الجحد أو الاستحلال شرطاً مستقلاً للتكفير بالذنوب المكفرة )انظر: (مجموع الفتوى)07/205-209
وبهذا القدر الكفاية لمن أراد الهداية
والله تعالى أعلى وأعلم
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام