ما حكم الإستعانة بالكافرين على الكافرين؟
إن مسألة الإستعانة بالكافرين على الكافرين من المسائل الجسام، أخطأت في توصيفها أقلام، وضلت في تصنيفها أفهام، وزلقت في خوضها أقدام، والمعصوم من عصمه رب الأنام، نسأل الله السلام.
- فالبعض خاض في تلك المسألة بغير علم، فأدى ذلك إلى تحريف كبير في تلك المسألة الخطيرة، فعرضوها بغير صورتها الحقيقية، وقصوا منها أهم ما فيها، فأدى ذلك إلى تحريف أحكامها وإخفاء الحق فيها، وبالتالي نتج عن هذا ضلال التابع والمتبوع.
- لذلك بعد الإستعانة بالله.. عزمنا على عرض تلك المسألة بصورتها الكاملة التي أخفاها الجهلة المُتعالمين بجهلهم، ومشايخ السلاطين على الناس أجمعين، وبيان الحق فيها بإذن الله بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة المحمدية.
- وسيكون عرضنا من أحد كتب الد........ولة الإس.............لامية –حفظها الله- الرسمية الصادرة عبر مكتب..ة اله....مة، الذي ثبت فيها بالأدلة القطعيه من الكتاب والسنة حقائق خطيرة وهامة غائبة عن الكثير في تلك المسألة.
#فلتتابعوا معنا إن شاء الله تعالى. فالإستعانة بالكافرين على الكافرين تختلف عن إعانة الكافرين على الكافرين
- فالإستعانة بصورتها الشرعية الحقيقية هي أن يستعين الإمام المسلم بالكافرين للقتال معه ضد كفار آخرين، وهذه الصورة ليست مطلقة هكذا كما صورها بعض الجهلة، ولكنها بشروط وضوابط لمن قالوا بجوازها.
- وفي كتاب (مسائل ..من.. فقه.. الجهاد) الصادر رس'مياً عبر مك..تبة الهم..ة، تحدث في باب كامل عن تلك المسألة بكل جوانبها وبيان الحق فيها بالأدلة الشرعية.. فلتُركزوا جيداً في كل كلمة، وتقرأوا بعقولكم وقلوبكم وليس بألسنتكم.
* قال: (أمَّا عن حکم الاستعانة بالكفار الأصليين ؛ فنقول :-
اختلف الفقهاء والأئمة في هذه المسألة على قولين ؛ فبينما ذهب فريق إلى جواز ذلك بشروط ثقال، ذهب فريق آخر إلى المنع منه بصورة تامة؛ ونبحث -إن شاء الله- هذه المسألة من خلال المحاور الآتية ...) أهـ. القول بجواز الإستعانة بالكفار: هو ما ذهب إليه الأحناف والشافعية في المشهور عنهما ؛ ومن ذلك:-
* ما جاء في «السير الكبير وشرحه»: (ولا بأس بأن يستعين المسلمون بأهل الشرك على أهل الشرك إذا كان حكم الإسلام هو الظاهر عليهم لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إستعان بيهود بني قينقاع على بني قريظة، ولأن مَنْ لم يسلم من أهل مكة كانوا خرجوا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رکباناً و مشاة إلی حنین ینظرون لمن یکون الدبرة؛ فیصیبون من الغنائم حتی خرج أبو سفیان.. وخرج صفوان وهو مشرك.. فعرفنا أنه لا بأس بالإستعانة بهم، وما ذلك إلا نظير الإستعانة بالكلاب على قتـ ـال المشركين، وإلى ذلك أشار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «إنَّ الله تعالى ليؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم في الآخرة».. والذي روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد رأى كتيبة حسناء؛ قال: «مَن ْهؤلاء؟»، فقيل: يهود بني فلان حلفاء ابن أبي؛ فقال: «إنَّا لا نستعين بمن ليس على ديننا»؛ تأويله: أنهم كانوا أهل منعة، وكانوا لا يقـ ـاتلون تحت راية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ وعندنا إذا كانوا بهذه الصفة: فإنه يكره الاستعانة بهم .. وعندنا إذا رأى الإمام الصواب في ألا يستعين بالمشركين لخوف الفتنة؛ فله أن يردَّهم) [السير الكبير وشرحه : 4/191,192,192]
* وقال الإمام الشافعي -رحمه الله-: (وإن کان مشرك یغـ ـزو مع المسلمین وکان معه في الغـ ـزو مَنْ يطيعه من مسلم أو مشرك، وكانت عليه دلائل الهزيمة، والحرص على غلبة المسلمین، وتفریق جماعتهم: لم يجز أن يغـ ـزو به؛ وإن غزا به: لم يرضخ له.. ومَنْ کان من المشرکین علی خلاف هذه الصفة؛ فکانت فیه منفعة للمسلمین بدلالة على عورة عدو أو طريق أو ضيعة أو نصيحة للمسلمين: فلا بأس أن يغزي به، وأحبّ إليَّ أن لا يعطى من الفيء شيئاً، ويستأجر إجارة من مال لا مالك له بعينه.. وردَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم بدر مشركاً -قيل: نعيم-؛ فأسلم، ولعله ردَّه رجاء إسلامه، وذلك واسع للإمام أن يرد المشرك فيمنعه الغـ ـزو، ويأذن له؛ وكذلك: الضعيف من المسلمين ويأذن له، وردّ النبي -صلى الله عليه وسلم- من جهة إباحة الرد؛ والدليل على ذلك -والله تعالى أعلم- أنه قد غزا بيهود بني قينقاع بعد بدر، وشهد صفوان بن أمية معه حنيناً بعد الفتح وصفوان مشرك) [الأم : 4/166,167].
* وقال -رحمه الله- كذلك فى باب «الاستعانة بأهل الذمة على قتـ ـال العدو»؛ قال: (الذي روی مالك کما روی ردّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مشرکاً أو مشرکین في غزاة بدر، و أبی أن یستعین إلا بمسلم، ثم استعان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد بدر بسنتین في غزاة خیبر بعدد من زفر بني قينقاع كانوا أشداء، واستعان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزاة حنين سنة ثمان بصفوان بن أمية وهو مشرك... فالردّ الأول -إنْ كان- لأن له الخيار أن يستعين بمشرك أو يردّه كما يكون له ردّ المسلم من معنى يخافه منه أو لشدة به؛ فليس واحد من الحديثين مخالفاً للآخر، وإن کان ردّه لأنه لم یر أن یستعین بمشرك: فقد نسخه ما بعده من استعانته بمشرکین؛ فلا بأس أن يستعان بالمشركين على قتـ ـال المشركين إذا خرجوا طوعاً، ويرضخ لهم ولا يسهم لهم، ولم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه أسهم لهم) [الأم : 4/261].
قُلتُ: ركزوا جيداً في تلك الأدلة التي استند إليها المشايخ من فعل رسول الله -صلي الله عليه وسلم- حتى يقولوا بجواز الإستعانة، لأنه لاحقاً -بإذن الله- سيتم الرد على كل دليل إستند إليه لمن قالوا بجواز الإستعانة، وذلك في نفس الكتاب الذي ننقل لكم منه.
- ومن قالوا بالجواز، لم يقولوها هكذا بإطلاقها، ولكن قيدوها بشروط لابد أن تتحقق حتى يتم العمل بهذا القول، فمن يُريد أن يأخذ بهذا القول، فليأخذ بكلام العلماء كله في تلك المسألة، ولا ياخذ ما يحلوا له ويترك ما لا يحلوا له، فهذا فيه كذب على الله ورسوله والمسلمين.المتأمِّل في كلام الفقهاء والأئمة من الأحناف أو الشافعية أو غيرهم ممَّن ذهبوا إلى القول بجواز الاستعانة بالكفار في القتـ ـال: يرى أنهم لم يطلقوا القول بالجواز البتة، وإنما قيدوا ذلك بقيود ثقال علقوا عليها قولهم بالجواز هنا، وربطوه بها.
- ولذا؛ فقد افترى فرية عظيمة، وأتى بباطل من القول وزوراً مَنْ نسب إلى أحد من فقهاء الإسلام وأئمته القول بجواز الاستعانة بالكفار بصورة مطلقة غير مقيدة، ولا مشروطة.
ومن أهم الشروط التي قيد القائلون بجواز الإستعانة بالكفار قولهم بها :-
أولاً: أن يكون حكم الإسلام هو الظاهر والكفار خاضعون له:
* قال القرطبي -رحمه الله- : (قال أبو حنيفة، والشافعي، والثوري، والأوزاعي: لا بأس بذلك إذا كان حكم الإسلام هو الغالب، وإنما تكره الاستعانة بهم إذا كان حكم الشرك هو الظاهر) [تفسير القرطبي : 8/99,100].
* وجاء في «السير» لمحمد بن الحسن الشيباني عن الإمام أبي حنيفة -رحمهما الله-: (وسألته عن المسلمين يستعينون بأهل الشرك على أهل الحرب؛ هل ترى بذلك بأساً؟ وهل لهم سهم في الغنيمة؟ قال : لا بأس بأن يستعان بهم إذا كان الحكم حكم أهل الإسلام، وهو القاهر الغالب؛ فلا بأس بأن يستعان بأهل الشرك) [السير:249].
* وجاء في «السير الكبير وشرحه»: (ولا بأس بأن يستعين المسلمون بأهل الشرك على أهل الشرك إذا كان حكم الإسلام هو الظاهر عليهم) [السير الكبير وشرحه : 4/191].
* وقال الجصاص الحنفي -رحمه الله- : (قال أصحابنا: لا بأس بالإستعانة بالمشركين على قتـ ـال غیرهم من المشرکین إذا کانوا متی ظهروا کان حکم الإسلام هو الظاهر؛ فأمَّا إذا كانوا لو ظهروا كان حكم الشرك هو الغالب: فلا ينبغي للمسلمين أن يقاتـ ـلوا معهم) [أحكام القرآن : 4/104].
* وقال -رحمه الله- کذلك : (الاستعانة بالکفار: لا تجوز، إذ کانوا متی غلبوا کان الغلبة والظهور للكفار، وكان حكم الكفر هو الغالب) [أحكام القرآن : 3/276].
* وقال -رحمه الله- أيضاً: (جائز الاستعانة بالكفار في قتـ ـال غيرهم من الكفار؛ وكذلك قال أصحابنا إذا كانوا متى غلبوا كان حكم الإسلام هو الجاري عليهم دون حکم الکفر [أحكام القرآن : 4/376].
* وقد قال الشوكاني -رحمه الله- : (وحكى في البحر عن العترة، وأبي حنيفة وأصحابه أنها تجوز الاستعانة بالکفار والفساق حیث یستقیمون علی أوامره و نواهیه) [نيل الأوطار : 8/44].
* وقال -رحمه الله- كذلك: (وشرط بعض أهل العلم ومنهم الهادوية أنها لا تجوز الاستعانة بالكفار والفساق إلا حيث يكون مع الإمام جماعة من المسلمين يستقل بهم في إمضاء الأحكام الشرعية على الذين استعان بهم ليكونوا مغلوبين لا غالبين) [نيل الأوطار : 8/44].
ثانياً: أن لا يكون للكفار راية مستقلة وإنما يقاتلون تحت راية المسلمين:
* جاء في «السير الكبير وشرحه»: (والذي روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد رأى كتيبة حسناء؛ قال : «مَنْ هؤلاء؟»، فقيل: يهود بني فلان حلفاء ابن أبي؛ فقال: «إنَّا لا نستعين بمن ليس على ديننا»؛ تأويله: أنهم كانوا أهل منعة، وكانوا لا يقاتلون تحت كيفية راية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؛ وعندنا إذا كانوا بهذه الصفة: فإنه يكره الاستعانة بهم) [السير الكبير وشرحه : 4/191,192].
* وقال السرخسي -رحمه الله- أيضاً: (وعندنا إنما يستعين بهم إذا كانوا يقاتـ ـلون تحت راية المسلمين؛ فأمّا إذا انفردوا براية أنفسهم: فلا يستعان بهم) [المبسوط : 19/24].
ثالثاً: تحقق الحاجة إلى الاستعانة بالكفار:
* قال ابن نجيم الحنفي -رحمه الله- : (ودلَّ كلامهم على أنه يجوز الاستعانة بالكافر على القتال إذا دعت الحاجة إلى ذلك) [البحر الرائق : 5/97].
* وقال ابن الهمام -رحمه الله- : (وهل يُستعان بالكافر؟ ؛ عندنا إذا دعت الحاجة: جاز، وهو قول الشافعي -رحمه الله-) [شرح فتح القدير : 5/502].
- وقد اشترط بعض الفقهاء تحقق «الضرورة» لا مجرد «الحاجة»:
* قال الكاساني الحنفي -رحمه الله-: (ولا ينبغي للمسلمين أن يستعينوا بالكفار على قتال الكفار لأنه لا يؤمن غدرهم، إذ العداوة الدينية تحملهم عليه إلا إذا اضطروا إليهم) [بدائع الصنائع : 7/101].
* وقال البهوتي الحنبلي -رحمه الله- : (ويحرم أن يستعين بكفار إلا لضرورة لحديث الزهري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- استعان بناس من المشركين في حربه؛ رواه سعيد، وروى -أيضاً- أن صفوان بن أمية شهد حنيناً مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ؛ وبهذا حصل التوفيق بين الأدلة؛ والضرورة: مثل كون الكفار أكثر عدداً أو يخاف منهم) [كشاف القناع : 3/63].
* وقال صديق حسن خان -رحمه الله-: (ولا يستعان بالمشركين إلا لضرورة ؛ وقد ذهب جماعة من العلماء إلى عدم جواز الاستعانة بالمشركين، وذهب آخرون إلى جوازها، فيجمع بين الأحاديث الواردة فى هذا الباب بأن الاستعانة لا تجوز إلا لضرورة لا إذا لم تكن ضرورة) [العبرة : 18,19].استدل القائلون بجواز الاستعانة بالكفار في القتال بجملة من الأدلة التي مرّت معنا من خلال نصوصهم السابقة، إلا أنّ هذه الأدلة عند التحقيق لا تقوى على إثبات ما ذهبوا إليه إمّا من ناحية السند أو من ناحية المتن؛ وهاك البيان:-
الدليل الأول: أن (مَنْ لم يُسلم من أهل مكة كانوا خرجوا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ركباناً ومشاة إلى حنین ینظرون لمن یکون الدبرة؛ فیصیبون من الغنائم حتی خرج آبو سفیان في إثر العسكر كلما مر بترس ساقط أو رمح أو متاع من متاع أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حمله حتی اوقر جمله) [السير الكبير وشرحه:4/191].
- ونحو ذلك؛ ما روي في تلك الغزوة من أنه (قد خرج معه -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ثمانون من المشرکین؛ منهم: صفوان بن آمیة، و سهیل بن عمرو) [السيرة الحلبية:3/64].
وهذا الدلیل مردود -بیقین- من وجوه :-
الوجه الاول:
- أن أصل هذه الروايات، ونحوها ما جاء في «مغازي الواقدي» حيث قال: «خرج مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- -یعنی في غزوة حنین- ناس من المشرکین کثیر؛ منهم: صفوان بن أمية.. وخرج رجال من مكة مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يغادر منهم أحد على غير دين ركباناً، ومشاة؛ ينظرون لمن تكون الدائرة؛ فيصيبون من الغنائم، ولا يكرهون أن تكون الصدمة لمحمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه...»[مغازي الواقدي:3/890-895].
- وهذه الروايات لا تصلح بأي حال من الأحوال أن تكون دليلاً يُرجع إليه في بناء الأحكام الشرعية التي يتدين بها العبد فضلاً عن أن تعارض بها الأحاديث الثابتة سنداً، المحكمة متناً، إذ هذه الروايات ما بين ضعيف السند جداً وبين ما لا سند له أصلاً؛ فكيف يُحتج بها بل وكيف يدفع بها ما هو كالشمس صحة وظهوراً؟!
- ومن المقرر أن الواقدي لا يحتج برواياته المسندة إذا تفرد بها؛ فكيف يحتج بما رواه من غير إسناد أصلاً؟!
الوجه الثاني:
- أن هذه الروايات في خروج المشركين مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزوة حنين إنما هي من مراسيل الزهري [انظر: البداية والنهاية:4/330] وهي ممّا لا تقوم به حجة كما سنبين إن شاء الله.
الوجه الثالث:
- أنه حتى هذه الروايات -غير الثابتة- التي استند إليها القائلون بالجواز ليس فيها أدنى إشارة إلى أن أحداً من المشركين خرج للقتال أو قاتل بنفسه، وإنما كل ما فيها أن المشركين خرجوا للنظارة، ورغبة في أن يصيبوا من الغنيمة.
* قال ابن کثیر -رحمه الله- : (و ذکر موسی بن عقبة في مغازیه عن الزهري: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما فتح الله عليه مكة، وأقرّ بها عينه خرج إلى هوازن وخرج معه أهل مكة لم يغادر منهم أحداً ركباناً ومشاة حتى خرج النساء يمشين على غير دين نظاراً ينظرون ، ويرجون الغنائم ولا يكرهون مع ذلك أن تكون الصدمة برسول الله وأصحابه؛ قالوا: وكان معه أبو سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية) [البداية والنهاية:4/330].* عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: «خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل بدر، فلما كان بحرة الوبرة: أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين رآوه، فلما آدرکه قال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- : جئت لأتبعك ، و آصیب معك.. قال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «تؤمن بالله ورسوله ؟». قال: لا، قال : «فارجع، فلن أستعين بمشرك» .. قالت : ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل، فقال له كما قال أول مرة.. فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- کما قال اُول مرة، قال : «فارجع، فلن أستعين بمشرك».. قال : ثم رجع ، فأدركه بالبيداء، فقال له كما قال أول مرة : «تؤمن بالله ورسوله؟». قال : نعم .. فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «فانطلق» [مسلم:3/1449, 1450].
- فهذا نص صحيح صريح في تحريم الاستعانة بالكفار في القتال، وقد جاء نص الحديث في غاية الإحكام إذ هو حُكْمٌ معلل ؛ بمعنى : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ردّ ذلك المشرك الكافر، ومنعه من المشاركة في القتال مع تعليل ذلك الرد والمنع بقوله: «فارجع، فلن أستعين بمشرك» .
- فقوله: «بمشرك»: بیان للوصف الذي عُلق علیه الحکم : «فلن أستعین»، اذ تعلیق الحكم على وصف مشتق : مفيد للعلية، أي : يفيد أن ما منه الاشتقاق : هو علة الحكم [انظر: المحصول للرازي (4/524)؛ الابهاج للسبکي (2/305)؛ ارشاد الفحول : 362؛ المسودة: 364، وغيرها] .، في «الشرك» : هو علة المنع من الاستعانة بذلك الرجل لا غير.
- ويؤكد ذلك ويوضحه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «تؤمن بالله ورسوله؟»؛ وهذا غاية الإحكام في بيان علة المنع من الاستعانة بالكفار المشركين، وأنها الكفر والشرك لا غير.
- وللإحكام في هذا الحدیث وجه آخر؛ و هو التکرار حیث کرر النبي -صلى الله عليه وسلم- قوله للمشرك : «فارجع ؛ فلن أستعين بمشرك» مرتين، كما كرر قوله له : «تؤمن بالله ورسوله؟» ثلاث مرات !
- أمّا ردّ هذا الحديث المحكم بتأويل أنه -صلى الله عليه وسلم- تفرّس في الذي قال له : لا أستعين بمشرك الرغبة في الإسلام فردّه رجاء أن يسلم ، فصدق ظنه أو القول بأن الأمر هنا إلى رأي الإمام ؛ إن شاء استعان، وإن شاء ردّ كما يقول المجيزون للاستعانة جواباً عن هذا الحديث.قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنا لا نستعين بمشرك»: نفي يعم كل ما يسمى استعانة بالمشركين في أي أمر من الأمور.
* قال ابن حزم -رحمه الله- : (وهذا عموم مانع من أن يُستعان به في ولاية أو قتال أو شيء من الأشياء إلا ما صح الإجماع على جواز الاستعانة به فيه كخدمة الدابة أو الاستئجار أو قضاء الحاجة، ونحو ذلك ممّا لا يخرجون فيه عن الصغار؛ والمشرك: اسم يقع على الذمي، والحربي) [المحلى(11/113)].
إلا أنه قد جاء ما يخصص هذا العموم، ومن ذلك:-
• عن ابن عباس -رضي الله عنهما- : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استعار من صفوان بن أمية أدرعاً وسناناً في غزوة حنين، فقال: يا رسول الله! أعارية مؤداة؟ قال: «عارية مؤداة» [المستدرك(2/54), أبو داود(3/296)؛ البيهقي الكبرى(6/88, 89), الدار قطني(3/38-40), وقد قال الحاكم: صحيح غلى شرط مسلم].
- فجاء الخبر باستعارته -صلى الله عليه وسلم- أدرعاً، وسلاحاً من صفوان بن أمية حال كفره، وقد سبق معنا ثبوت ذلك.
- فيجوز استعارة السلاح ، وما يشابهه من الكفار للحاجة، وليس هذا من الاستعانة المنهي عنها لثبوت المشروعية.
* قال القرطبي -رحمه الله- : (فيه - أيضاً - جواز استعارة السلاح، وجواز الاستمتاع بما استعير إذا كان على المعهود مما يستعار له مثله، وجواز استلاف الإمام المال عند الحاجة إلى ذلك ورده إلى صاحبه ؛ وحديث صفوان أصل في هذا الباب) [تفسير القرطبي(8/99)].
* وقال الامام ابن القیم -رحمه الله- فی الفوائد الفقهیة المستنبطة من غزوة حنین: (ومنها : أن الإمام له أن يستعير سلاح المشركين وعدّتهم لقتال عدوه كما استعار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أدراع صفوان وهو يومئذ مشرك) [زاد المعاد(3/479].
* و عن ابن رشد -رحمه الله- بعد تقریر مذهب المالکیة من تحریم الاستعانة بالکفار في القتال، قال: (ولا بأس أن يستعار منهم السلاح) [التاج والإكليل(3/352)].
• وممّا جاء فى قصة الحديبية عن المسور ومروان يصدق كل واحد منهما
حديث صاحبه ، قالا: «خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- زمن الحديبية. . .
فبينا هم كذلك إذ جاءهم بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أهل تهامة، فقال : إني تركتُ كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل؛ وهم مقاتلوك، وصادُّوك عن البيت. . . » الحديث [البخاري(2/975)].
* قال ابن القيم -رحمه الله- في الفوائد المستنبطة من هذا الحديث : (ومنها : أن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد [في غير القتال؛فتنبه!] جائزة عند الحاجة لأن عينه الخزاعى كان كافراً إذ ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو، وأخذه أخبارهم) [زاد المعاد(3/301)].
* وقال الشوکاني-رحمه الله- کذلك فیما یستفاد من الحدیث : (وأن الاستعانة بالمشرك الموثوق به في أمر الجهاد جائزة للحاجة لأن عينه الخزاعي كان كافراً وكانت خزاعة مع كفرها عيبة نصحه) [نيل الأوطار(8/190)].
- وهذا مقيّد - كما هو مصرح به - بمن كان أميناً، موثوقاً به، مع قيام الحاجة إلى ذلك ؛ وقد سبق في الحديث وصف خزاعة بأنهم : «كانوا عيبة نصح رسول الله -صلى الله عليه وسلم-».
* قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- : (قوله: «وكانوا عيبة نصيح» ؛ العيبة - بفتح المهملة، وسكون التحتانية بعدها موحدة - ما توضع فيه الثياب لحفظها ؛ أي أنهم موضع النصح له، والامانة علی سره، و نصبح - بضم النون، و حکی ابن التین فتحها -؛ کانه شبه الصدر الذي هو مستودع السر بالعيبة التي هي مستودع الثياب) [فتح الباري(5/338)].المر تدون : کفار ، مشرکون، و زیادة؛ وأعني بالزيادة : ما يختص به وصف الردة من أحكام يُباين بها المرتدون الكفار الأصليين، ويزيدون عليهم فيها إذ قد انعقد الإجماع على أن كفر الردة أغلظ من الكفر الأصلي [الفتاوى لابن تيمية(28/478)]، وأن المرتدين : (أخبث الكفار للإنکار بعد الا قرار) [مجمع الأنهر(2/215)].
* قال ابن حزم -رحمه الله- : (المرتد: من الكفار، وهذا لا شك فيه عند مسلم) [المحلى(11/137, 138)].
- ومن ثم ؛ فالأدلة التي سبقت معنا من الكتاب والسنة في بيان تحريم الاستعانة بالكفار الأصليين : تتضمّن - بنصها – تحريم الاستعانة بالكفار المرتدين سواء بسواء #مع_فارق_هام_هنا ؛ و هوی أن تحریم الاستعانة #بالکفار_المرتدین #لیست_محل_نزاع لانعقاد #الإجماع على عدم جواز إقرار المرتد على ردته.
- و قد نص ابن نجیم الحنفي -رحمه الله- علی (أن مشرکي العرب والمرتدین لا تقبل منهم الجزية بل إمّا الإسلام أو السيف فلا يدعوا إليها ابتداء لعدم الفائدة) [البحر الرائق(5/81)].
* وفي تعليل أن المرتدين لا يُقرون على ردّتهم ؛ قال الكمال ابن الهمام المحقق الحنفی المشهور -رحمه الله- : (وأمّا المرتدون : فلأن كفرهم بعدما هُدوا للإسلام، ووقفوا على محاسنه ؛ فكان كذلك فلا يقبل من الفريقين إلا الإسلام أو السيف زيادة في العقوبة لزيادة الكفر) [شرح فتح القدير(6/49)].
* وقال القرطبي المالكي -رحمه الله- : (فأما المرتدون : فليس إلا القتل أو التوبة، وكذلك أهل الزيغ والضلال ليس إلا السيف أو التوبة) [تفسير القرطبي(2/350)].
* وقال الدردير المالكي -رحمه الله- : (وخرج بقوله : «صح سباؤه» [يعني : ما جاء في متن «مختصر خليل» من قوله : (عقد الجزية إذن الإمام لكافر صح سباؤه)]: المرتد فلا يصح سباؤه لأنه لا يقر على ردّته) [الشرح الكبير(2/201)].
* وقد قال ابن رشد -رحمه الله- كذلك: (الجزية تؤخذ من أهل الكتاب، والمجوس، ومن العجم باتفاق ، ولا تؤخذ من قریش ، ولا من المرتدین باتفاق، أما المرتدون: فإنهم ليسوا على دين يقرُّون عليه لقوله -عليه السلام- : «مَنْ بل دينه فاضربوا عنقه») [التاج والأكليل(3/380)]
* وقال الماوردي الشافعي -رحمه الله- : (ولا يجوز إقرار المرتد على ردّته بجزية، ولا عهد، ولا تنكح منه امرأة) [الأحكام السلطانية:114)].
* وقال ابن قدامة الحنبلي -رحمه الله- : (فصل : ولا يجوز استرقاق المرتد لأنه لا يجوز إقراره علی ردته) [الكافي في فقه الإمام أحمد(4/162)].كانت هذه الفرق ولا تزال من أعظم أسباب ضعف الأمة وبُعدها عن دينها، مع کونهم سبباً رئیساً في کثیر من الفتن التي اصطلت أمة الإسلام بنارها ؛ ومن ثم: فخطرهم لا يقل بحال عن خطر أعداء الأمة الظاهرين من يهود ونصارى ووثنيين إن لم نقل إن خطرهم يفوق في كثير من الأحيان خطر هؤلاء الأعداء .
* ولله درّ شيخ الإسلام وعلم الأعلام ابن تيمية الإمام -رحمه الله وطيّب ثراه- إذ يقول: (وقد اتفق أهل العلم بالأحوال أن أعظم السيوف التي سلّت على أهل القبلة ممن ينتسب إليها، وأعظم الفساد الذي جرى على المسلمين ممن ينتسب إلى أهل القبلة إنما هو من الطوائف المنتسبة إليهم) [الفتاوى(28/479)].
- قلت: وقد دلّ ظاهر قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}. [ال عمران:۱۱۸ - ۱۲۰] علی النهي عن الاستعانة بأهل الزيغ والضلال في أمور المسلمين.
* قال القرطبى -رحمه الله- فى كلامه عن هذه الآية: (الثانية: نهى الله جل وعلا المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وولجاء يفاوضونهم في الآراء ، ويسندون إليهم أمورهم ؛ ويقال : كل من كان على خلاف مذهبك ودينك: فلا ينبغي لك أن تخادنه) [تفسير القرطبي(4/178)].
* وقد نص الألوسي -رحمه الله- في هذه الآية على أن (الحكم عام وإن كان سبب النزول خاصاً ؛ فإن اتخاذ المخالف ولياً : مظنة الفتنة والفساد، ولهذا ورد تفسير هذه البطانة بالخوارج) [روح المعاني(4/37)].
- وفي قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة:57].
* قال الإمام الشوكاني -رحمه الله-: (قوله: {لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا}؛ هذا النهي عن موالاة المتخذين للدين هزواً ولعباً يعم كل من حصل منه ذلك من المشركين، وأهل الكتاب، وأهل البدع المنتمين إلى الاسلام، والبيان بقوله: {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ}... إلى آخره لا ينافي دخول غيرهم تحت النهي إذا وجدت فيه العلة المنكورة التی هي الباعثة علی النهی) [فتح القدير(2/54)].
- وقد نص أئمة الإسلام على حرمة الاستعانة بأهل الأهواء من الفرق الضالة.
* قال ابن مفلح المقدسي الحنبلي -رحمه الله- : (فرع : تحرم الاستعانة بأهل الأهواء في شيء من أمور المسلمين لأنهم أعظم ضرراً لکونهم دعاة بخلاف الیهود والنصاری نص على ذلك) [المبدع(3/337)].
* وقال المرداوی الحنبلي -رحمه الله- کذلك : (و تحرم الاستعانة بأهل الأهواء في شيء من أمور المسلمين لأن فيه أعظم الضرر، ولأنهم دعاة بخلاف اليهود والنصارى ؛ نص على ذلك) [الإنصاف(4/144)].
- ومرادهما -رحمهما الله- بقولهما : (نص على ذلك) ؛ أي: نص على تحريم الاستعانة بأهل الأهواء الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة غير مدافع عليه رحمات الله المتتابعات .
- وكلام أهل العلم والأئمة السابق في تحريم الاستعانة بأهل الأهواء كلام عام یشمل كل من يدخل تحت ترجمة الهوى والضلال وإن صحت نسبته للقبلة.
- ومن فرق أهل الزيغ والضلال الذين ينبغي عدم الاستعانة بهم علی وجه الخصوص: «#الخوارج» لما هو معروف عنهم من تدينهم بتكفير المسلمين ، واستباحة دمائهم ، وأموالهم ، وأعراضهم ، بل هم کما وصفهم النبي -صلى الله عليه وسلم- : «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان» [البخاري(3/1219)؛ مسلم(2/741)]
- وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الخوارج أنهم : «لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجال» [النسائی الصغری (7/120)؛ احمد (4/424)؛ البزار (9/294)؛ مصنف ابن أبي شیبة (7/559)؛ المستدرك (2/160)، و صححه الحاکم، وقال فی المجمع (9/294) : (رواه أحمد، والازرق بن قیس، وثقه ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح) . قلت: فيه شريك بن شهاب الحارثي البصري ليس من رجال الصحيح، وليس بالمشهور، وقد ذكره ابن حبان في الثقات (4/360)]
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام