هداية.

كيف نرد على شُبهةُ قولِهم: نحنُ نستدلُّ بالعملِ في الديمقراطيَّةِ والحُكمِ بغيرِ ما أنزلَ اللهُ بعملِ يوسفَ عليهِ السلامُ عندَ ملكِ مصرَ، وهو كافر ؟

📂 فكر وفلسفة #عام

> أصول في علم الأصول:

-

شُبهةُ قولِهم: نحنُ نستدلُّ بالعملِ في الديمقراطيَّةِ والحُكمِ بغيرِ ما أنزلَ اللهُ بعملِ يوسفَ عليهِ السلامُ عندَ ملكِ مصرَ، وهو كافر.

والجوابُ عليها من وجوه:

أولًا: أنَّ يوسفَ عليهِ السلامُ كان مُمكَّنًا في الأرضِ بحُكمٍ مستقلٍّ، فلا رقيبَ عليه، ولا دُستورَ يعملُ به، ولم يُقسِمْ على قَسَم، فكانت له وزارةٌ مستقلَّةٌ، ومَن مكنَّه هو ربُّ العالمين، قال الله تعالى:

﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.

قال السديُّ رحمهُ الله: استعملَه الملكُ على مصر، وكان صاحبَ أمرِها، وكان يلي البيعَ والتجارةَ وأمرَها كلَّه.

وقال ابنُ زيدٍ رحمهُ الله: ملكناه فيما يكونُ فيها حيث يشاءُ من تلك الدنيا، يصنع فيها ما يشاءُ، فُوِّضت إليه. قال: ولو شاءَ أن يجعلَ فرعونَ من تحت يدِه ويجعلَه فوقَه لفعل.

أمّا الديمقراطيةُ، فتُلزِمُ الداخلين في البرلمانِ القَسَمَ على احترامِ الدُّستورِ الوضعيِّ الذي فيه الشركُ بالله، وفيها الرَّقابةُ على أعضاءِ البرلمان، فليس عملُهم بمستقلٍّ، وليسوا أحرارًا في اتخاذِ القَرارات، وفيها أنهم سيعملون بالقانونِ الوضعيِّ لا بأحكامِ الشريعة، فشتّان بين الصورتين.

ثانيًا: مما يدلُّ على أنَّ يوسفَ عليه السلام كان مستقلًّا في الحكم، وأنه لم يعملْ بقانونِ الملك، أنَّه لم يحكمْ أخاهُ بقانونِ الملك، بل حكم بما عليه الأنبياءُ عليهم السلام قبله، كما قال الله تعالى:

﴿ما كانَ ليأخذَ أخاهُ في دينِ الملكِ﴾.

قال ابن زيد: ليس في دينِ الملكِ أن يُؤخذَ السارقُ بسرقته. قال: وكان الحكمُ عند الأنبياءِ يعقوبَ وبنيه أن يُؤخذَ السارقُ بسرقتِه عبدًا يُسترقّ.

أمّا في الديمقراطيةِ، فلا يمكن أن يخرجَ عن القانونِ المحكومِ به، ومَن خرجَ عنه عُوقب، ومَن دعاهم إلى تحكيمِ الشريعةِ ونبذِ القانونِ الوضعيِّ فهو عندهم ضالٌّ متخلّفٌ رجعيٌّ.

فهل يمكن لأنصارِ الديمقراطيةِ أن يكفروا بطاغوتِ القانونِ ويحكموا بحكمِ اللهِ تحت قُبّةِ البرلمان؟!

ثالثًا: إنَّ دعواهم هذه فيها طعنٌ في يوسفَ عليه السلام، واتّهامٌ له بأنَّه حكم بالطاغوتِ وأقرَّه، كما يفعلُ الديمقراطيون.

وهذه الدعوى أشدُّ كفرًا من الحكمِ بالديمقراطية، لأنّها تتضمن نفي العصمةِ عن نبيِّ الله تعالى عليه السلام في أعظمِ ما بُعثَ به، وهو التوحيد.

فيوسفُ عليه السلام كان يصدعُ به وهو في السجن، ويُصرِّحُ أنَّ الحكمَ للهِ وحده لا شريك له، فكيف يُخالِفُه بعد خروجه؟

قال الله تعالى:

﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ۝ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ۝ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ۝ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

رابعًا: إنَّ هذه الفِريةَ على يوسفَ عليه السلام من جنسِ ما اتُّهِم به من امرأةِ العزيز، وبرَّأه اللهُ منها، ثم ليأتي اليومَ الديمقراطيون ويفتروا على نبيِّ اللهِ يوسفَ عليه السلام بأنّه فعلَ كفعلهم، ثم قاسوا أنفسَهم عليه!

قبّحهم الله، وهم الذين يحكمون بغيرِ ما أنزلَ الله، ويُحلِّلون الحرامَ ويُحرِّمون الحلالَ، ويقرّون الحُريّات العامة، ومنها الكفرُ باللهِ تعالى،

فهل يمكن أن نقول إنَّ يوسفَ عليه السلام فعلَ كلَّ هذا؟!

حاشا وكلا، إن هي إلّا الأباطيلُ اخترعوها، ما أنزلَ اللهُ بها من سلطان.

خامسًا: إنَّه قد ورد عن بعضِ السلف أنَّ الملكَ قد أسلمَ على يدِ يوسفَ عليه السلام، كما رُوي ذلك عن مجاهدٍ وغيرِه، أنَّه لم يزلْ يوسفُ عليه السلام يدعو الملكَ إلى الإسلامِ ويتلطّفُ له حتى أسلمَ الملكُ وكثيرٌ من الناس.

فهل دعا أنصارُ الديمقراطيةِ أعضاءَ البرلمانِ إلى الإسلامِ والتوحيدِ والكفرِ بالطاغوتِ والحُكمِ بما أنزلَ الله؟

أم أنَّهم رضوا وخنعوا وانقادوا لهم؟!

> أصول في علم الأصول:

-

قال عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي الزِّنادِ:

فهل هلك أهلُ الأهواءِ، وخالفوا الحقَّ، إلا بأخذِهم بالجَدَل، والتفكُّرِ في دينِهم؟

فهم كلَّ يومٍ على دينِ ضلالةٍ وشُبْهَةٍ جديدة، لا يثبتون على دينٍ، وإن أعجبَهم، إلا أنَّه نَقَلَهم الجَدَلُ والتفكُّرُ إلى دينٍ سِواه.

ولو لَزِموا السُّنَن، وأمْرَ المسلمين، وتركوا الجَدَل، لقطَعوا عنهم الشكَّ، وأخذوا بالأثَرِ الذي حَضَّهم عليه رسولُ الله ﷺ.

[الإبانة الكُبرى لابن بَطَّة، ٢/٥٣٢]

أسئلة ذات صلة

هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.

ابدأ عبر تيليغرام