هداية.

كَيْفَ تَصِحُّ الْبَيْعَةُ لِإِمَامٍ مَجْهُولٍ؟

📂 جهاد وسياسة شرعية #معاملات #صيام #حج #زواج #قرآن

نَعَم؛ قد يَخفى اسمُهُ ورَسمُهُ على بعضِ العَوامِّ، أو بعضِ القاعدينَ مِن أهلِ الخِصامِ!

هَذا الَّذي تَعرِفُ البَطحاءُ وَطْأتَهُ

وَالبيتُ يَعرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ

وَلَيسَ قَولُكَ: مَن هذا؟ بِضائِرِه

العُربُ تَعرِفُ مَن أنكَرتَ وَالعَجَمُ!

وحتَّى لو كانَ مَجهولًا عندَ العامَّةِ، فلا مَطعَنَ في هذهِ الوِلايةِ والإمامةِ، قالَ الماوَرْديّ: (فَصل) فإذا استقرَّتِ الخِلافةُ لِمَن تَقَلَّدَها إِمَّا بِعَهدٍ أو اختيارٍ، لَزِمَ كافَّةَ الأُمَّةِ أن يَعرِفوا إِفضاءَ الخِلافةِ إلى مُستَحِقِّها بِصِفاتِه، ولا يَلزَمُ أن يَعرِفوهُ بعَينِه واسمهِ إِلَّا أهلَ الاختيارِ الَّذينَ تَقومُ بهمُ الحُجَّةُ، وبِبَيعتِهم تَنعقِدُ الخِلافةُ..

إلى أن قالَ: والَّذي عليهِ جمهورُ النَّاسِ أنَّ مَعرِفةَ الإمامِ تَلزَمُ الكافَّةَ على الجُملةِ دونَ التَّفصيلِ، وليسَ على كلِّ أحدٍ أن يَعرِفَهُ بعَينِهِ واسمهِ إلَّا عندَ النَّوازِلِ الَّتي تُحْوِجُ إليهِ، كما أنَّ مَعرِفةَ القُضاةِ الَّذينَ تَنعقِدُ بهمُ الأحكامُ، والفُقَهاءِ الَّذينَ يُفتونَ في الحلالِ والحرامِ تَلزَمُ العامَّةَ على الجُملةِ دونَ التَّفصيلِ إلَّا عندَ النَّوازِلِ المُحْوِجَةِ إليهِم، ولو لَزِمَ كلَّ واحدٍ مِنَ الأُمَّةِ أن يَعرِفَ الإمامَ بعَينِهِ واسمهِ لَلَزِمَتِ الهِجرةُ إليهِ، ولما جازَ تَخَلُّفُ الأَباعدِ، ولأَفضى ذلك إلى خُلوِّ الأَوطانِ، ولصارَ مِنَ العُرفِ خارِجًا، وبِالفسادِ عائِدًا. اهـ [الأحكامُ السُّلطانيَّةُ للماوردي ص ١٥].

وقال أبو يَعلَى: ولا يَجِبُ على كافَّةِ النَّاسِ مَعرِفةُ الإمامِ بعَينِهِ واسمهِ، إلَّا مَن هو مِن أهلِ الاختيارِ الَّذينَ تَقومُ بهمُ الحُجَّةُ وتَنعقِدُ بهمُ الخِلافةُ. اهـ [الأحكامُ السُّلطانيَّةُ لأبي يَعلَى ص ٢٧].

ومَن طَعَنَ في إِمارةِ الإمام الحالي -حَفِظَهُ اللهُ- لِجَهالته -عِندَهُ- فَليَطعَن في إِمارةِ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ -رَحِمَهُ اللهُ-، وكذا نُلزِمُهُ بأن يَطعَنَ في الخِلافةِ العباسيَّةِ بِرُمَّتِها!

فقد عَهِدَ الخليفةُ عبدُ الملكِ بنُ مروانَ لِبَنيهِ بالخِلافةِ من بعدِه، فتولَّى الوليدُ ثم سليمانُ، فلمَّا حُضِرَ سليمانُ أشارَ عليهِ التَّابعيُّ الجليلُ رَجاءُ بنُ حَيْوةَ بأن يَعهَدَ إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ.

قال السُّيوطيّ: قال -رجاء- تُوَلِّي عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ، قال -سليمان- أَتَخَوَّفُ إِخوتي لا يَرضَون، قال: تُوَلِّي عمرَ، ومن بعدَهُ يزيدَ بنَ عبدِ الملكِ، وتَكتُبُ كتابًا وتَختِمُ عليهِ وتَدعوهم إلى بَيعتِهِ مَخْتومًا، قال: لقد رَأَيتُ. اهـ [تاريخُ الخُلَفاء ص ٢٢٦].

وقال الإمامُ ابنُ كثيرٍ: إنَّ سليمانَ كَتَبَ: بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، هذا كتابٌ من عبدِ اللهِ سليمانَ بنِ عبدِ الملكِ لِعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، إنِّي قد وَلَّيتُهُ الخِلافةَ من بعدي، ومن بعدِه يزيدَ بنَ عبدِ الملكِ، فاسمعوا له وأطيعوا، واتَّقوا اللهَ ولا تَختَلِفوا فيَطمَعَ فيكم عدوُّكم. وخَتَمَ الكتابَ وأَرسَلَ إلى كعبِ بنِ حامدٍ العَبسيِّ صاحبِ الشُّرطةِ، فقالَ له: اجْمَعْ أهلَ بَيتي فمُرْهم فليُبايعوا على ما في هذا الكتابِ مَخْتومًا، فمَن أَبَى منهم ضُرِبَ عُنُقُه، فاجتَمَعوا ودَخَلَ رجالٌ منهم فسلَّموا على أميرِ المؤمنينَ، فقالَ لهم: هذا الكتابُ عَهدي إليكم، فاسمعوا له وأطيعوا مَن وَلَّيتُ فيه، فَبايَعوا لذلك رجلًا...

إلى أن قال ابنُ كثيرٍ: قال -رجاءُ بنُ حَيْوة- فَحَرَّفتُهُ إلى القِبلةِ فماتَ -رَحِمَهُ اللهُ-، فغَطَّيتُهُ بِقطيفةٍ خضراء، وأغلقتُ عليه، وأَرسلتُ إلى كعبِ بنِ حامدٍ، فجمَعَ الناسَ في مسجدِ دابقَ، فقلتُ: بايعوا لِمَن في هذا الكتابِ، فقالوا: قد بايَعْنا، فقلتُ: بايعوا ثانيةً، ففعَلوا، ثم قلتُ: قُوموا إلى صاحبِكم فقد مات، وقرأتُ الكتابَ عليهم. اهـ [البدايةُ والنهايةُ ٩/١٨٢].

فصَحَّتْ بيعةُ الخليفةِ الصالحِ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ مع أنَّ بَيعتَهُ تَمَّتْ لمَجهولٍ!

وهكذا حصَلَ في البَيعةِ لبني العباسِ، فقد بَدَأَ الدَّعوةَ إليها بِدَعوةِ النَّاسِ لِبَيعةِ الرِّضى مِن آلِ مُحَمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-، هكذا دونَ تحديدٍ لِشخصيَّةِ أَميرِ هذهِ الدَّعوةِ، وكانَ هذا مُتَعمَّدًا، لِحِرصِ العباسيِّينَ على كَسبِ شيعةِ العَلويِّينَ إلى دَعوَتِهم، وآلُ مُحَمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- تَشتَمِلُ العلويِّينَ والعباسيِّينَ، فالمُبايَعُ لهُ في هذهِ الدَّعوةِ هو شَخصٌ مَجهولٌ بِالنِّسبةِ لأَغلبيَّةِ مَن بايَعَ، باستثناءِ النُّقَباءِ وكِبارِ الدُّعاةِ الَّذينَ كانوا يَعرِفونَ صاحِبَ الدَّعوةِ باسمهِ وعَينِه. [انظر البداية والنهاية ٩/٣٢١، ١٠/٥، ٢٥، ٣٠، ٣١، ٣٩ - ٤٢، نَقْلًا عن العُمدة بِتَصرُّف].

> أصول في علم الأصول:

وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: بَعَثَ مُحَمَّدٌ – أَيْ: ابْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ – رَجُلًا إِلَى خُرَاسَانَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا يُسَمِّي أَحَدًا، ثُمَّ وَجَّهَ أَبَا مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيَّ وَغَيْرَهُ، وَكَتَبَ إِلَى النُّقَبَاءِ، فَقَبِلُوا كُتُبَهُ».اهـ [تَارِيخُ الْخُلَفَاءِ ص ٢٥٧].

قَالَ النَّوَوِيُّ: أَمَّا الْبَيْعَةُ، فَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا مُبَايَعَةُ كُلِّ النَّاسِ، وَلَا كُلِّ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ مُبَايَعَةُ مَنْ تَيَسَّرَ إِجْمَاعُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَالرُّؤَسَاءِ، وَوُجُوهِ النَّاسِ.

[شرح النووي ٧٧/١٢]

قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ ثُبُوتِ الْإِمَامَةِ أَنْ يُبَايِعَهُ كُلُّ مَنْ يَصْلُحُ لِلْمُبَايَعَةِ، وَلَا مِنْ شَرْطِ الطَّاعَةِ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُبَايِعِينَ، فَإِنَّ هَذَا الِاشْتِرَاطَ فِي الْأَمْرَيْنِ مَرْدُودٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.

[السيل الجرار ٩٤١]

قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: صَحَّ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَةَ تَنْعَقِدُ بِوَاحِدٍ.

[الفصل ٣٠/٤]

أسئلة ذات صلة

هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.

ابدأ عبر تيليغرام