سائل يسأل ويقول انا فلسطيني من عرب ال48 : يقولون: قال علماء الإسلام: "حيثما تكون المصلحة فثمّ شرع الله" وقالوا: "الثابت عند علماء السنة والجماعة أن الشريعة جائت لخدمة مصالح الإنسان ودفع المفاسد عنه ومن المصالح دفع الضرر قدر المستطاع وذلك لا يتم في حالتنا الا بالتصويت للعرب"؟
الحمد لله والصّلاةُ والسّلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد ..
المصلحةُ -إخواني الكرام- هي من أعظم وأدقّ مسالك أصول الفقه، والّتي تحدّث بها ووضع أصولها وضوابطها فحول العلماء، ولم يدخلها إلّا صاحب قدم راسخة ثابتة شامخة في العلم، ولم تُترك هذرًا للنّاس يحسبونها كيفما هم أرادوا ذلك وفق مداركهم القاصرة ..
لأنّ تحديد المصالح فيه اعتبارات كثيرة، وكثيرًا ما تتعارض مع مصالح أخرى، فيُقدّم الأرجح منها وفق آليّة واعتبارات دقيقة عند أهل العلم، ولو نظرت في كلام النّاس فكلّ يعرض كلامه على أنّه مصلحة بنظره هو، فيظهر التّخبّط ولا يصلون لقلّة العلم لمدارك حسمها وضبطها ..
وقد عرض القرآن الكريم كثيرًا من نماذج المتسلّقين على المصلحة ليُعرضوا عن شرع الله، للتّحذير من هذا المسلك ..
- منها لمّا ترك المنافقون حكم الله ونبذوه وراء ظهورهم، تذرّعوا بالمصلحة، قال الحقّ سبحانه عمّن يتحاكم إلى الطّاغوت (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) ..
- ولمّا تخلّفوا عن الجهاد، جعلوا تخلّفهم متعلّقًا بالمصلحة فزعموا أنّ الحرّ يضرّهم (وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا)، وزعموا أنّ بلاد الكفر فتنة عليه (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ۚ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا) ..
- وكذلك كتب عليهم الجهاد رغم عظيم الآثار الّتي يعتبرها النّاس مفاسد من قتل وسلب وخوف وهلاك، فإنّ الله أوجبه على المؤمنين رغم كلّ هذه الآثار فقال سبحانه (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) فبيّن سبحانه أنّ المنفعة المعتبرة هي الّتي يقرّرها الله سبحانه لا ما يكرهه النّاس.
- وكذلك الّذين والوا الكُفّار تذرّعوا بمصلحة العزّة عند الكُفّار، وأن يكون لهم شأن بموالاتهم، فأبطل الله سبحانه زعمهم فقال ( الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)
وهذا دأب كلّ من يبغي الانحراف عن شرع الله، تجده يضرب شرع الله وينبذه بطريقة مُلطّفة بحُجّة بالمصلحة، قال سبحانه (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ)، أي كلامهم مزيّن مزركش يُفتن السّامعين ..
لذا وجب عليك أن لا تُسارع إلى التّذرّع بالمصلحة قبل معرفة المصلحة الّتي يعتبرها الله والمصلحة الملغاة الباطلة، فمن النّاس من ينظر مدّ يده، ومنهم من ينظر مدّ بصره، والله يرى ما لا ترون (وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ..
أمّا المصلحة المُعتبرة وهي المعروفة باسم المصالح المُرسلة فهي كما في أصول الفقه ما لم يرد فيها نصّ شرعيّ يُعملها أو يُلغيها، أو قل لا يوجد نصّ شرعيّ يبيّن بُطلانها، فإن عارضت النّصّ الشّرعيّ فهي باطلة ملغاة لا يؤخذ بها، كما ألغى الله سبحانه تذرّع المنافقين بالمصلحة والإحسان في الأمثلة السّابقة ..
لذلك نخلص فيما تقدّم إلى أنّ المصلحة لا تكون إلّا بميزان شرعيّ..
ثمّ اعلم أنّ المصالح في الشّرع ثلاثة أصناف: فضروريّة وحاجيّة وتحسينيّة ..
أمّا الضّروريّة فهي تعود لجلب المصالح ودرء المفاسد، ومدارها على تحقيق الضّروريّات الخمس الّتي لا تستمرّ الحياة من غيرها، وهي خمسة أوّلها ومقدّمة على أخواتها مصلحة الدّين ثمّ النفس والعقل والمال والعرض ..
وهذه الضّروريّات هي المُقدّمة في النّظر والاعتبار، فإن كادت النّفس تهلك، يُباح المحرّم لأجلها لقوله تعالى (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
فإن تعارضت فيما بينها قُدّمت مصلحة ظهور الدّين إلّا في حال الإكراه المُلجئ وهو ما كان بقيد وعذاب، قال سبحانه (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) ..
ولذا لمّا تعارضت مصلحة الجهاد المتسبّبة بإزهاق النّفس مع مفسدة انتشار الكفر وظهور الفساد، قدّم الله سبحانه إقامة الدّين فقال: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) قال أهل التّفسير الفتنة هنا أي الشّرك، فتُزهق النّفوس لأجل ظهور الدّين..
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والشريعة تأمر بالمصالح الخالصة والراجحة كالإيمان والجهاد فإن الإيمان مصلحة محضة والجهاد وإن كان فيه قتل النفوس فمصلحته راجحة، وفتنة الكفر أعظم فسادًا من القتل، كما قال تعالى (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) ونهى عن المفاسد الخالصة والراجحة"
هذا كلّه لتعرف أنّ المصالح مؤطّرة مضبوطة لها أصول في الاعتبار والإلغاء، وهي حديث العلماء لا حديث من نبذ الشّريعة وحاول إخضاعها لهواه، ولا حديث الغوغاء ..
والأصل الرّجوع لأهل العلم لمعرفة المصلحة من المفسدة ..
ولاحظ أنّنا في حديثنا عن الكنيست فإنّنا نتحدّث عن أعظم أصول الدّين وهو توحيد الألوهيّة، وما يتعلّق به من نسبة التّشريع لله سبحانه، ويعترض البعض بمصالح دنيوية ضعيفة غير متحقّقة لا عقلًا ولا منطقًا ولا واقعًا .. فإن كان الله سبحانه قدّم مصلحة الدّين على القتل، فتقديم مصلحة الدّين على هذه المصالح المتوهّمة غير المتحقّقة أولى ..
ثمّ لو تنزّلنا مع القوم ونظرنا في المصالح المزعومة لوجدناهم يتحدّثون عن المصلحة الّتي يأملون تحقيقها تحت إذن الكيان ورضاه، وما سمح به هو لهم، وما هي بمصالح لحلّ جذريّ بل أوهام بأوهام ..
فهي مصالح وتفكير ضمن الدّائرة الّذي رُسمت لهم، فهذا عين الذّلّ والهوان، بل عين تشرّب الذّل والتّأقلم معه، وخضعوه له، وعدم الإذن للفكر أن يرتقي فوقه !
ثمّ هم بمشاركتهم يؤصّلون الفساد تأصيلًا ويثبّتونه، فهم شركاء في هذا الكيان، هم شركاء في قيادته العليا، هم شركاء في وضع قوانينه، ثبّتوا وجودهم، وجعلوا لهم حقًّا في ذلك..
بل ومن العجب أنّهم يطالبون بحقوقنا، ويريدون المساواة ! الله أكبر مساواة الجلّاد مع الضّحيّة، نطالب بحقوقنا وكأنّ لهم حقًّا في هذه البلاد ولكنّ الإشكالية في عدم توزيع الحقوق بعدل وإنصاف كما هو طرح الشّيوعيّين !
أهذه مصالح ؟
هذه أمّ المفاسد والإفلاس في النّظر والتّصوّر ..
ثمّ قالوا: "دخولهم حتّى يعترضوا على سنّ القوانين العنصريّة"
وهم لو كان لهم تأثير حقيقيّ لحُجّموا وصُغّروا أكثر ممّا هم محجّمون الآن، أفهناك من يوقف فرعون عن فرعنته ؟
فبإمكان الكيان تصغير حجمهم، وافتعال أمور لسنّ هذه القوانين، وبإمكانهم سنّ قانون الطّوارئ وفعل ما شاؤوا، وبإمكانهم قتل المسلمين وتسمية القتل بغير اسمه، كما فعلوا كثيرًا، أفكنتم تقدرون على منعهم ؟ وهل فكّرتم في كيفيّة وقفهم عند حدّهم ؟
إذن ليس حديثنا عن معارضة مصلحة ظهور الدّين على مصالح موهومة بل تقديم مصلحة الدّين على مفاسد متحقّقة ظاهرة..
فمثل هذه المفاسد الّتي سمّيتموها "مصالح" والّتي تعبر عن طريق شركيّ كفريّ لا عبرة لها ولا وزن ..
ومن هنا تعلم أنّ عبارة "حيثما تكون المصلحة فثمّ شرع الله" فهي حقّ أريد بها باطل، لأنّ المراد منها أنّ الشّريعة جاءت لتحقيق المصالح ودرء المفاسد، سواء عقلت ذلك أم لم تعقله، فأينما تكون المصلحة الحقيقيّة الّتي يعلمها الله فثمّ شرع الله، قال الإمام الشّاطبيّ رحمه الله: "المعلوم من الشريعة، أنها شرعت لمصالح العباد، فالتّكليف كلّه، إما لدرء مفسدة، وإما لجلب مصلحة، أو لهما معًا"
ومثل هذا قاله ابن القيّم رحمه الله: "وإذا تأمّلت شرائع دينه الّتي وضعها بين عباده وجدتها لا تخرج عن تحصيل المصالح الخالصة أو الرّاجحة بحسب الإمكان، وإن تزاحمت قُدّم أهمّها وأجلّها وإن فات أدناها، وتعطيل المفاسد الخالصة أو الرّاجحة بحسب الإمكان، وإن تزاحمت عطّل أعظمها فساداً باحتمال أدناها "
ولمّا كان فهم هذه القاعدة منقلبًا، على غير ما أريد له، مال بعض أهل العلم لأن يقولوا: "أينما يكون شرع الله فثمّ المصلحة" والقاعدتين على حدّ سواء لا فرق بينهما في المحصّلة، ولكن الأفهام القاصرة تحاول إيجاد الفرق ..
والله الموفّق والهادي إلى سواء السّبيل
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام