لماذا كلّ هذا الوثوق بالأحاديث النّبويّة؟
قبل أن تقع سهام العدوّ في صدرك تحصّن في فهم كيف وصلت إليك أحاديث النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وعِ ذلك جيّدًا ..
علم الحديث النّبويّ من أشرف وأعظم العلوم الّتي اختصّ الله بها المسلمين ولا تجده في أيّ أمّة من الأمم ولا ديانة عبر التّاريخ ..
هذا العلم والمنهجيّة العظيمة الفذّة هو من أكثر ما نفخر به بالفم الملآن والصّوت العالي ..
افهم معي ماذا تعني كلمة (حديث صحيح) ..
لو جاء لعلماء المسلمين شخص وقال عندي حديث عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو كذا وكذا ..
فجوابهم: مباشرة حديثك ضعيف .. لأنّك لم تبيّن ممّن سمعته ..
قال: أخبرني به سعيد بن عمران.
فجوابهم: حديثك ضعيف .. لأنّك لم تبيّن عمّن سمعه سعيد..
قال: سمعه عن فلان عن فلان عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم..
فجوابهم: حديثك ضعيف .. لأنّك لم تبيّن مدى صدق وأمانة كلّ شخص بهذا السّند.
قال: هذه مهمّة طويلة فكلّ شخص من مكان ..
فجوابهم: حديثك ضعيف.. لا ينفعك إلّا أن تبيّن صدقهم وحالهم.
قال: حسنًا استعنت بمجموعة من العلماء الّذين ذهبوا وارتحلوا وسافروا الأيّام واللّيالي وسألوا عن كلّ شخص وعن حاله وقالوا أنّهم ثقاة..
فجوابهم: حديثك ضعيف.. لأنّك لم تبيّن ما مدى قوّة حفظهم.
قال: ألا يكفي كلّ ما سبق ؟!! وهل يجب أن أختبر عقولهم أيضًا ؟!!!
فجوابهم: حديثك ضعيف .. حتّى تبيّن وتُثبت ذلك !
قال: حسنًا استعنت بعلماء آخرين أحضروا مرويّات كلّ راوي، وقارنوها مع مرويّات الآخرين لنفس الحديث وسألوا عن حفظهم وهل كان يكتبون وكيف يكتبون أم يحفظون، واشتغلوا بين أخذ وردّ ومراجعة ومناقشة ومقارنة لألفاظ الحديث حتّى ميّزنا من حفظ عمّن كتب، عمّن ضبط عمّن ضيّع ! فهل الحديث صحيح ؟
فجوابهم: حديثك ضعيف ..حتّى تُبيّن لنا من أين كلّ شخص وسنة مولده ووفاته وتثبت لنا أنّه بالإمكان أن يسمع كلّ شخص عمّن أخذ عنه..
قال: حسنًا عدنا من جديد وبحثنا عن حياتهم وأحوالهم وحفظهم وأمانتهم وجمعنا كلّ شيء عنهم وكلّ ما يلزم وصنّفنا في ذلك المجلّدات الطّوال بل ولم بحث العديد من العلماء وكلّ صنّف من وجهة نظره..
فجوابهم: حديثك ضعيف .. لأنّ أحد الرّواة من العراق والآخر من الشّام فأثبت لنا أنّ أحدهم سافر لبلد الآخر.
قال: راجعنا الأمر وسألنا عنه في بلد فقال أنّه سافر في سنة كذا لبلد فلان وجلس عنده وأخذ عنه أحاديث عديدة .. فهل صحّ الحديث ؟
فجوابهم: حديثك ضعيف.. لأنّ أحد الرّواة قال (عن فلان) ولم يقل (سمعت عنه) أو (أخبرني)، فنخشى أن يكون بينهم شخص ساقط بالسّند غير ثقة ..
قال: راجعنا الأمر وتحرّينا وقد التقيا وتأكّدنا أنّ كلّ (عنعناته) عن فلان سمعها منه، أمّا (عنعنته) عن علّان فلم يسمعها منه وهو لم يروِ عنه هنا ..فهل صحّ الحديث ؟
فجوابهم: حديثك ضعيف ..حتّى تُثبت أنّ الحديث لم يشذّ ولم يتعارض مع أحاديث أخرى، وليس به علّة خفيّة تؤثّر فيه كتغيّره بآخر عمره ..
قال: ولكن هذا باب آخر كبير يحتاج فريقًا جديدًا من العلماء لتمحيصه فالمهمّة تصبح كبيرة جدًّا !
فجوابهم: لن نعتبر حديثك صحيحًا حتّى تستوفي الشّروط!
قال: جاء فريق جديد من العلماء وبدؤوا يدرسون هذه الأحاديث واحدًا واحدًا ويقارنوها ويبحثوا في أسانيدها ومتونها وفي كلّ ما اشتغلنا به سابقًا ووثّقوا هذا الحديث ..فهل هو صحيح؟؟!!!!
فجوابهم: حسنًا لا بأس به ولكن حبّذا لو أوجدت المزيد من الأسانيد من متابعات وشواهد تؤكّد لفظ أو مضمون الحديث لنطمئنّ أكثر، فأنت لم تأتِنا سوى سند واحد ..
قال: حسنًا عدنا وبحثنا وأحضرنا أسانيد كثيرة ودعمنا هذا النّصّ ..
فجوابهم: ما هذا ؟ ارجع وطبّق على هذه الأسانيد كلّ ما تحدّثنا عنه سابقًا.
قال: ولكن سند واحد استغرق منّا جهدًا عظيمًا، أتريدون أن نشتغل أيضًا بعشرة أسانيد أخرى مثل ذلك ؟!!
فجوابهم: نعم !
قال: وعدنا اشتغلنا بكلّ راوٍ من رواة الأسانيد الجديدة وتاريخهم وحياتهم وسفرهم ومعاشهم ومماتهم وحفظهم وأمانتهم وعنعناتهم وقارنّا مرويّاتهم والأحاديث بشكل عام وصار العلماء فرقًا ومجموعات، شيء اشتغل بجمع الأحاديث بأسانيدها، وشي اشتغل بجمع المعلومات عن الرّواة، وشيء اشتغل بمراقبة الأسانيد ودراستها، وشيء اشتغل بمتن الحديث واختبارها، وشيء اشتغل بتقييد أصول العلم وقواعده، وشيء اشتغل بتمييز الضّعيف والموضوع والكذب واستبعاده، وشيء وشيء وشيء .. فهل الحديث صحيح ..
فجوابهم: مبارك هذا الحديث صحيح بقي عليك مئات الأحاديث تتعامل معها بنفس الطّريقة ..
قال: ولكن لو تعاملنا معها بهذه الطّريقة سنخسر الكثير من الأحاديث الّتي ممكن أن تكون صحيحة..
فجوابهم: إنّ هذا دين، وإنّ الله يسّر له من يخدمه لحفظه وصونه إلى يوم الدّين، ولا نقبل إلّا ما كان أكثره وثوقًا ورسوخًا، وآلاف الأحاديث الّتي صحّت بهذه الطّريقة كافية لاستخلاص الأحكام والتّشريعات والقواعد العامّة لهذا الدّين، وقد شملت بفضل الله كلّ الأبواب والمجالات ..
وهذا الّذي عرضناه هو شيء من تعريف الحديث الصّحيح وهو: ما رواه العدل الضّابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علّة.
والحمد لله رب العالمين
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام