كيف نرد على من قالوا: إن في خاتمِ النبي محمدٍ رسولُ اللهِ، اسمُ محمدٍ يكونُ في الأعلى، ورسولٌ في الوسطِ، واسمُ اللهِ في الأسفلِ، ومن قالَ غيرَ ذلكَ فهو مخالفٌ. وأنَّ الرايةَ التي تحملُ اسمَ اللهِ في الأعلى غيرُ صحيحةٍ ؟
الجواب:
قَالَ ابْنُ سِيرِين: كَانَ فِي خَاتِمِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (باسمِ اللهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ)، شرح عمدة القاري [٢٢/٣٨].
وقال العيني: وقَوْلُهُ: (ثَلَاثَةِ أسطر)، قَالَ صاحبُ (التَّوْضِيح): وَكُنَّا نبحثُ قديماً: هل الجلالةُ فوق، وَالرَّسُولُ في الوسط، وَالْبَاقِي أَسْفَلُ، وَبِالْعَكْسِ؟
وقيل: إِنَّ كِتَابَتَهُ كَانَتْ مِن أَسْفَلِ إِلَى فَوْقِ، حَتَّى إِنَّ الْجَلَالَةَ فِي أَعْلَى الأسطرِ الثَّلاثَةِ، وَمُحَمَّدٌ فِي أَسْفَلِهَا [٢٢/٣٨].
وقال الإسنويُّ في المهمات، وصرح الحاكمُ في روايته أنَّ هذا هو سببُ النزعِ، وروى ابنُ حبانَ في صحيحه عن أنسٍ قال: كان نقشُ خاتمِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
ثلاثةَ أسطرٍ: (محمدٌ) سطرٌ، و(رسولٌ) سطرٌ، و(اللهُ) سطرٌ، وفي حفظي أنها كانت تُقرأ من أسفلَ فصاعداً، ليكون (اسمُ اللهِ) تعالى فوق الجميعِ [٢/١٩٥].
وقال الشربيني في مغني المحتاج: قال الإسنويُّ: وفي حفظي أنه كان يُقرأ من أسفلَ فصاعداً ليكون (اسمُ اللهِ) فوق الجميعِ [١/٤٠].
وقال ابنُ رجب الحنبليُّ: ورُوي أن أولَ الأسطرِ كان (اسمُ اللهِ)، ثم في الثاني: (رسولُ الله)، ثم في الثالث: (محمدٌ)، الجوامع والمجلات [٢/٦٧٧] ونحوها.
وكان نقشُ خاتمِ النبيِّ - صلى اللهُ عليه وسلم -: (محمدٌ رسولُ الله) على ثلاثةِ أسطرٍ، كلُّ كلمةٍ سطرٌ، ثبت في الصحيحين في (البخاري ٥٨٧٢، ومسلم ٢٠٩٢)، أي: من الأسفل إلى الأعلى.
ونقشُ خاتمِ عليِّ بن أبي طالبٍ رضي اللهُ عنه: (الملكُ لله)، وقيل: (نِعْمَ القادرُ اللهُ)، تاريخ الخلفاء للسيوطي [١/١٣٩].
فهذا يتوافق مع كلامِ الإسنويِّ الذي قال: (اسمُ اللهِ) أولاً، بمعنى أن ترتيبَ النقشِ يجعل (اسمَ الجلالةِ) في الأعلى تعظيماً له.
ثم يليه ذكرُ (محمدٍ رسولِ اللهِ) تحته، وهو ما يتطابق مع المعنى الذي أشار إليه الإسنويُّ من حيث التقديمُ المكانيُّ لتعظيمِ (اسمِ اللهِ).
وقال الهيتمي: قيل: أوسط (واللهُ) بالرفع والجرِّ (سطرٌ)، قيل: أعلى، ليكون (اسمُ اللهِ) أعلى، وزعم أن هذا يُخالف الوضعَ القرآنيَّ، وهو وَهْمٌ، لأن الوضعَ هنا يخالف الوضعَ، ثم على تقدير إذ ذاك في سطرٍ واحدٍ، وهذا في سطورٍ ثلاثةٍ، ومع تحققِ المخالفةِ، رعايةُ تعظيمِ (اسمِ اللهِ) أولى بأن يُخرج فعلُه عليها ما أمكن.
وزَعَمَ أن تقديمَ (محمدٍ) لفظاً يستدعي تقديمَه وضعاً، ليس في محلِّه، إذ تقديمُ (الجلالةِ) لفظاً غير ممكنٍ، بخلافه وضعاً، وموجبُ هذا الزعمِ وما قبله الغفلةُ عن كونه كان يُقرأ من أسفل.
مقصدُ الهيتمي: أن (محمدٌ رسولُ الله) لفظاً، (اسمُ النبيِّ محمدٍ) جاء قبل (اسمِ اللهِ)، وبعض الناسِ ظنوا أن هذا الترتيبَ اللفظيَّ يجب أن يُحافظَ عليه أيضاً عند الكتابة، بحيث يُكتب (محمدٌ) فوق و(اللهُ) تحته إن كان في أسطرٍ متفرقة.
لكن الهيتميَّ يعارضُ هذا الظنَّ، ويقول إن الأهمَّ هو تعظيمُ (اسمِ اللهِ) في الكتابةِ، حتى لو خالف ذلك الترتيبَ الذي جاء في اللفظ، فهو يؤكد أن تعظيمَ (اسمِ اللهِ) مقدمٌ على الترتيبِ اللفظيِّ، فإذا كان تقديمُ (اسمِ اللهِ) في الأعلى أو في موضعٍ أرفعَ في الكتابةِ يُظهر مزيداً من التعظيم، فيُستحبُّ فعلُه، ولو خالف أيَّ قولٍ.
وحديثُ أنسٍ لا يصرِّح بالترتيبِ، بل فقط يذكر الكلماتِ الثلاثَ، وعليه لا يوجد تعارضٌ بين الحديثِ وبين المخطوطةِ وكلامِ العلماءِ.
بل يمكن فهمُ الحديثِ الذي ذكرت النقشَ (الله - رسول - محمد)، لأن أساساً الحديث لا يصرح بالترتيب.
وهذا الترتيبُ منطقيٌّ لسببين:
احتراماً لـ(اسمِ الجلالةِ)، فلا يكونُ في الأسفلِ.
طريقةُ الكتابةِ العربيةِ القديمةِ كانت تعتمدُ التدرجَ من الأعلى للأسفل، خاصةً في الأختامِ، كما أظهرنا في المخطوطات.
وَقَالَ العَيْنيُّ في (عُمدةِ القارِي شَرحِ صَحيحِ البُخارِي): قَولُهُ: (ثَلاثةِ أسطُرٍ)، قال صَاحبُ (التَّوضِيحِ): وَكُنَّا نَبحثُ قَديمًا: هل (الجَلالةُ) فَوقَ، و(الرَّسولُ) في الوَسَطِ، و(البَاقي) أَسفَلَ، وَبِالعَكسِ.
وقِيلَ: إنَّ كِتَابتَهُ كَانَتْ مِن أَسفَلَ إلى فَوقَ، حَتَّى إنَّ (الجَلالةَ) في أَعلَى الأَسطرِ الثَّلاثَةِ، و(مُحمدٍ) في أَسفَلِها.
وقال الإسماعيليُّ: (مُحمدٌ) سَطرٌ، والسَّطرُ الثَّاني (رَسولٌ)، والسَّطرُ الثَّالثُ (اللهُ).
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام