كيف تعرف صحة الحديث؟
اعلم أن معرفة صحة الحديث وسقمه تحصل من وجهين:
أحدهما: معرفة رجاله وثقتهم وضعفهم.
والثاني: معرفة مراتب الثقات، وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف، إما في الإسناد، وإما في الوصل والإرسال، وإما في الوقف والرفع، ونحو ذلك.
الأول: معرفته هين، لأن الثقات والضعفاء قد دُونوا في كثير من التصانيف، وقد اشتهرت بشرح أحوالهم التواليف.
والثاني: هو الذي يحصل من معرفته وإتقانه وكثرة ممارسته الوقوف على دقائق علل الحديث.
وهذا لا يتقنه إلا من حباه الله فهمًا في هذا الفن، وكان من أهله.
راجع للاستزادة: [ شرح علل الترمذي، لابن رجب الحنبلي، ٢/ ٦٦٣]
بأمرين:
الأول: صحة إسناده.
الثاني: أن يشبه كلامه كلام النبي ﷺ.
قال الإمام أبو حاتم الرازي - رحمه الله تعالى -: "تُعلم صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلامًا يصلح أن يكون مثله كلام النبوة، ويُعرف سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته بروايته". [تقدمة الجرح والتعديل ص٣٥١، وشرح علل الترمذي لابن رجب ٢/ ٨٧٢]
قلت: ينبغي على الباحث أن ينظر في ذي الأمرين:
الأول: الإسناد:
فينظر في اتصاله، وعدالة وضبط رواته، وسلامته من الشذوذ والعلة.
فإذا صح الإسناد نظر إلى متن الحديث.
قال الإمام يحيى بن سعيد القطان: "لا تنظروا إلى الحديث، ولكن انظروا إلى الإسناد، فإن صح الإسناد، وإلا فلا تغتروا بالحديث إذا لم يصح الإسناد". [سير أعلام النبلاء ٩/ ١٨٨]
وَمِمَّا يؤكد هذا، قول عبد الله بن المبارك: "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء". [مقدمة صحيح الإمام مسلم ص٦٧]
والنقول عن السلف كثيرة في أهمية الإسناد والبحث عن رواته.
الثاني: متن الحديث:
فكلام النبي ﷺ عليه أنوار النبوة، فكم من كلام ركب له الكذابون أسانيد صحيحة، فإذا نظرت إليه أنكرت أن يكون هذا كلام النبي الذي أُوتِي جوامع الكلم، وكلامه هو أفصح الكلام وأبلغه وأبينه.
قال الربيع بن خثيم: "إن للحديث ضوءًا كضوء النهار تعرفه، وظلمةً كظلمة الليل تنكره". [الفسوي في المعرفة والتاريخ ٢/ ٥٦٤، والباعث الحثيث ١/ ٢٥٠]
وقال ابن الجوزي: "الحديث المنكر يقشعر له جلد الطالب للعلم، وينفر منه قلبه في الغالب". [الموضوعات١/ ١٠٣، والباعث الحثيث١/ ٢٥٠]
وقال ابن الجوزي أيضًا: "ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين المعقول، أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع".
قال: "ومعنى (مناقضته للأصول): أن يكون خارجًا عن دواوين الإسلام من المسانيد والكتب المشهورة". [الموضوعات١/ ١٥١، وتدريب الراوي ١/ ٤٦٩]
وَتجد كثيرًا من الأحاديث المختلقة المصنوعة، تنادي على قائلها بالوضع والكذب؛ لركاكة ألفاظها، وفساد معانيها، وما اشتملت عليه من فاحشة شديدة تستحيل في حق الرب أو الرسل، ومخالفة للثابت في الكتاب والسنة الصحيحة.
وليس معنى هذا أن نحكم على الحديث بالكذب بمجرد عدم استساغة العقل وحده له! فإن العقول تختلف، والأفهام مختلفة، وقد ولج كثيرون من المقدسين للعقل بابًا خطرًا، وارتقوا مرتقىً صعبًا، حيث ردوا جملة من الأحاديث الصحيحة لمجرد مخالفتها لعقولهم زعموا!!
ولكن - كما قدمت آنفًا - لابد من الإسناد، ثم المتن؛ فإذا صح الإسناد نظرت في متنه: هل يشبه كلام النبي ﷺ؟
فإن كان لا يشبهه، فقد كفى الله المؤمنين القتال، وإن أشبهه نظرنا فيه: هل هو من المحكم؟ أو المشكل؟ إلى آخر ما يعرفه طالب العلم.
والله أعلم.
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام