هداية.

بعضُ الأشخَاص إن تحَدث ونسِي شَيئًا قَال: «اللهُم صلّ عَلى مُحمد». وهَذا من الأخطَاء التي نقعُ فِيها؛ والصَّحيح أن يُقال: «لَا إلَه إلّا اللّٰه» تَأكيدًا لقَوله تَعالى في سُورةِ الكَهف: ﴿وَاذْكُر ربَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾. فما صحة هذا الكلام؟

📂 حديث وسنة #صلاة #حديث #أذكار #قرآن #تاريخ

فمن نسي شيئًا وأراد أن يتذكره فإنه يدعو الله أن يذكره إياه، كقوله: اللهم ذكرني، أو اللهم افتح … ونحو ذلك.

ولا بأس إن ذكر الله، أو صلى على النبي ﷺ.

وقد نسي النبي ﷺ في مواقف، ولم يثبت عنه أنه دعا بدعاء معين، أو أنه ذكر الله عند النسيان.

وكذلك لم يثبت شيء من ذلك عن أحد من الصحابة.

▪️وقد ذهب فريق من العلماء إلى الصلاة على النبي ﷺ عند النسيان، مستدلين بحديث باطل، وهو: «إذا نسيتم شيئًا فصلوا علي تذكروه».

▪️وذهب فريق آخر إلى ذكر الله عند النسيان، مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِیتَ﴾ [الكهف ٢٤]

وذلك لأن النسيان من الشيطان، وذكر الله يطرد الشيطان.

قال ابن كثير في التفسير: "وَيَحْتَمِلُ فِي الْآيَةِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، قَدْ أَرْشَدَ مَنْ نَسِيَ الشَّيْءَ فِي كَلَامِهِ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ مَنْشَؤُهُ مِنَ الشَّيْطَانِ، كَمَا قَالَ فَتَى مُوسَى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الْكَهْفِ: ٦٣] وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى يَطْرُدُ الشَّيْطَانَ، فَإِذَا ذَهَبَ الشَّيْطَانُ ذَهَبَ النِّسْيَانُ، فَذِكْرُ اللَّهِ سَبَبٌ لِلذِّكْرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾". اهـ.

لكن الآية فيها عدة أقوال للعلماء:

الأول: إذا قلتَ: سأفعل غدًا كذا ونسيت أن تقول: إن شاء الله، ثم تذكرتَ، فقل: إن شاء الله.

الثاني: اذكر الله عند النسيان.

الثالث: صل الصلاة التي نسيتها. فهي دليل من أدلة قضاء الفوائت، كما ذكرتُ ذلك في كتابي (قضاء الفوائت).

الرابع: اذكر الله عند الغضب.

والصحيح في الآية هو الأول، وهو الذي ذكره جمهور المفسرين، وعليه جماهير أهل العلم، وهو: إذا قلتَ: سأفعل غدًا كذا ونسيت أن تقول: إن شاء الله، ثم تذكرتَ، فقل: إن شاء الله.

وهذا هو المعنى الصحيح للآية، ويدل عليه السياق، فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟یۡءٍ إِنِّی فَاعِلࣱ ذَ ٰ⁠لِكَ غَدًا ۝٢٣ إِلَّاۤ أَن یَشَاۤءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِیتَ وَقُلۡ عَسَىٰۤ أَن یَهۡدِیَنِ رَبِّی لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَـٰذَا رَشَدࣰا ۝٢٤﴾ [الكهف ٢٣-٢٤]

ويؤيدُ هذا المعنى: ما رواه البخاريُّ ومسلم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ بِمِائَةِ امْرَأَةٍ، تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَمْ يَقُلْ وَنَسِيَ، فَأَطَافَ بِهِنَّ وَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ نِصْفَ إِنْسَانٍ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ أَرْجَى لِحَاجَتِهِ».

قال ابن كثير في تفسيره: "وَقَوْلُهُ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ إِذَا نَسِيتَ الِاسْتِثْنَاءَ، فَاسْتَثْنِ عِنْدَ ذِكْرِكَ لَهُ". اهـ.

وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" (٤/ ١٠١ - ١٠٢): "قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ .

فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَوْلانِ مَعْرُوفانِ لِعُلَماءِ التَّفْسِيرِ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، والمَعْنى: أنَّكَ إنْ قُلْتَ سَأفْعَلُ غَدًا كَذا ونَسِيتَ أنْ تَقُولَ إنْ شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ تَذَكَّرْتَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ؛ أيِ: اذْكُرْ رَبَّكَ مُعَلِّقًا عَلى مَشِيئَتِهِ ما تَقُولُ أنَّكَ سَتَفْعَلُهُ غَدًا إذا تَذَكَّرْتَ بَعْدَ النِّسْيانِ.

وهَذا القَوْلُ هو الظّاهِرُ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى قَبْلَهُ: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. ومِمَّنْ قالَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ البَصْرِيُّ وأبُو العالِيَةِ وغَيْرُهم.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الآيَةَ لا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها، أنَّ المَعْنى: إذا وقَعَ مِنكَ النِّسْيانُ لِشَيْءٍ فاذْكُرِ اللَّهَ؛ لِأنَّ النِّسْيانَ مِنَ الشَّيْطانِ، كَما قالَ تَعالى عَنْ فَتى مُوسى: ﴿وَما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]، وكَقَوْلِهِ: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٩]، وقالَ تَعالى: ﴿وَإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]، وذِكْرُ اللَّهِ تَعالى يَطْرُدُ الشَّيْطانَ، كَما يَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، وقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ مَلِكِ النّاسِ إلَهِ النّاسِ مِن شَرِّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾ الآيَةَ [الناس: ١ - ٤]؛ أيِ: الوَسْواسِ عِنْدَ الغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، الخَنّاسِ: الَّذِي يَخْنِسُ ويَتَأخَّرُ صاغِرًا عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإذا ذَهَبَ الشَّيْطانُ النِّسْيانَ.

وقالَ بَعْضُهم: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، أيْ: صَلِّ الصَّلاةَ الَّتِي كُنْتَ ناسِيًا لَها عِنْدَ ذِكْرِكَ لَها، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، وقَوْلُ مَن قالَ ﴿إذا نَسِيتَ﴾، أيْ: إذا غَضِبْتَ - ظاهِرُ السُّقُوطِ". اهـ.

ومما سبق يتبين أن الآية متعلقة بما قبلها، وأنها في الاستثناء.

وأنه لا يثبت شيء عن النبي ﷺ عند النسيان، وأن الأمر واسع، فمن دعا، أو ذكر الله، أو صلى على النبي ﷺ، فكله جائز، والدعاء أَوْلَى، لأن الإنسان يحتاج - في هذه الحال - إلى أن يفتح الله عليه ويذكره؛ والله تعالى أعلم.

أسئلة ذات صلة

هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.

ابدأ عبر تيليغرام