هداية.

الرد على من قال أنَّ النبيَّ ﷺ حَكَمَ بغيرِ الشَّرِيعَةِ – بالتَّوْرَاة – فيجوزُ ذلك لأمَّتِه ؟ ؟

📂 قرآن وتفسير #عام

ويُرَدُّ على هذه الشُّبْهَةِ من طَرِيقَيْن:

أحدُهُما: أنَّ هذا القولَ مُخالِفٌ للنُّصوصِ الدَّالَّةِ على أنَّ النبيَّ ﷺ لم يَحْكُمْ إلَّا بشريعةِ الإسلام، وأنَّ القُرْآنَ ناسِخٌ لما قَبْلَهُ من الشَّرائعِ، كقولِه تعالى في سورةِ المائدة آية (٤٨) والآيةِ التي بَعْدَها:

﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨-٤٩].

وقال ﷺ: «لَوْ كانَ موسى حَيًّا ما وَسِعَهُ إلَّا اتِّباعِي» رواه أحمد.

فكيفَ يَتَّبِعُ النبيُّ كتابَ موسى مع هذا؟

قال ابن تيمية: «وهو لم يَحْكُمْ إلَّا بما أنزلَ اللهُ عليه» (الفتاوى ٤/١١١).

وقال أيضًا: «وإذا كان من المعلوم بالكتاب والسُّنَّة والإجماع أنَّ الحاكِمَ بين اليهودِ والنصارى لا يجوزُ أن يَحْكُم بينهم إلَّا بما أنزلَ اللهُ على محمد ﷺ، سواء وافق ما بأيديهم من التَّوْرَاةِ والإنجيل أو لم يُوافِقْه» (منهاج السنة النبوية ٥/٥٠٨-٥٠٩).

بل إنَّ مَن زَعَم أنَّ الرسولَ يَحْكُم بالتوراةِ ويعملُ بها وأنَّ هذا جائزٌ له ولأمَّته، فهو كافِرٌ زنديقٌ يُسْتَتابُ، فإن تابَ وإلَّا قُتِلَ مرتدًّا.

قال ابن حزم: «إنَّ مَن قال إنَّ النبيَّ ﷺ حَكَمَ بين اليهوديَّيْن اللذَيْنِ زَنَيَا بحُكْم التَّوْرَاة المنسوخة فهو مُرْتَدٌّ» (الإحكام ٢/١٠٤).

الثاني: أنَّ سببَ هذه الشُّبْهَةِ ما وَرَدَ في إحدى رِواياتِ حديثِ رَجْمِ اليهوديَّيْنِ اللذَيْنِ زَنَيَا، وفيها قال رسولُ اللهِ لَهُ: «فإني أحكمُ بما في التَّوْرَاة، فأُمرَ بهما فَرُجِما» رواه أحمد وأبو داود.

والجوابُ عن هذا الحديثِ من وجهَيْن:

الأول: أنَّ هذه الرِّوايةَ ليستْ مِمَّا يُحْتَجُّ به، فقد ذكر الحافظُ ابنُ حجر أنَّ في سَنَدِها رجلًا مُبْهَمًا (فتح الباري ١٢/١٧٠-١٧١).

الثاني: أنَّه إذا صَحَّتْ هذه الرِّوايةُ، فإنَّه ينبغي فَهْمُها على أساس ما ذَكَرْنا من أنَّ النبيَّ ﷺ لم يَحْكُمْ إلَّا بالإسلام، ويُرَدُّ المُتشابِهُ إلى المُحْكَم، فيكون معنى قوله «فإني أحكمُ بما في التوراة» أي: بمِثْلِ ما وَرَدَ فيها من حكمِ هذه المسألة، ولا يكونُ هذا اتِّباعًا منه للتوراة، بل تَصويبًا لما وَرَدَ فيها من الحقِّ، وأنَّ هذا مِمَّا أنزلَ اللهُ فيها، ليس ممَّا بَدَّلُوه.

وهذا ما قرَّره ابنُ كثير في تفسيره (٢/٥٩): «فهذه الأحاديثُ دالَّةٌ على أنَّ رسولَ الله ﷺ حَكَمَ بموافقةِ حكمِ التوراة، وليس هذا من باب الإكرام لهم بما يَعْتَقِدون صِحَّتَه، لأنهم مأمورون باتِّباع الشرع المحمدي لا مَحالَة، ولكن هذا بوحيٍ خاصٍّ من الله إليه بذلك، وسُؤالِه إيَّاهم عن ذلك ليُقِرَّرَهم على ما بأيديهم ممَّا تواطؤوا على كِتْمانِه».

وبنحو هذا قال ابن حجر في فتح الباري (١٢/١٧٠).

أسئلة ذات صلة

هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.

ابدأ عبر تيليغرام